أبي منصور الماتريدي
595
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وما أكرمهم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وما أنعم عليهم من أنواع النعم . وقوله : رَسُولًا مِنْكُمْ : خاطب العرب ، وذكرهم بما أنعم عليهم من بعث الرسول فيهم ومنهم ، وإنزال الكتاب بلسانهم وهم كانوا يتمنون ذلك ، كقوله : لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ [ الأنعام : 157 ] ، فمنّ عليهم بذلك ، وبه استوجبوا الفضيلة على غيرهم ، وكفى بهم فضلا ، وقوله : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً [ فاطر : 42 ] . وقوله : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ . قيل « 1 » : فَاذْكُرُونِي قيل : بالطاعة في الدنيا ، أَذْكُرْكُمْ في الآخرة بالتجاوز عن سيئاتكم . وقيل « 2 » : اذكرونى في الرخاء والسعة ، أذكركم في الضيق والشدة . وقيل : اذكرونى في الخلوات ، أذكركم في ملأ الناس وأذكركم في ملأ من الملائكة . ويحتمل : اذكرونى بالشكر بما أنعمت عليكم ، أذكركم بالزيادة عليها . والله أعلم . وقوله : وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ، أي : وجهوا شكر نعمتي إلىّ ، ولا تشكروا غيرى . ويحتمل : وَاشْكُرُوا لِي : أي وجهوا العبادة إلىّ ، وَلا تَكْفُرُونِ : ولا تعبدوا غيرى . والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 153 إلى 157 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 153 ) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ( 154 ) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ( 157 ) وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ . قد ذكرنا تأويل هذه الآية فيما تقدم . وقوله : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ . قيل فيه بوجوه : قيل : إن العرب كانت تعرف الموتى من انقطع ذكره ، إذا لم يبق له أحد يذكر به من
--> ( 1 ) قاله سعيد بن جبير ، أخرجه ابن جرير عنه ( 2318 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 273 ) . ( 2 ) قاله البغوي في تفسيره ( 1 / 128 ) .