أبي منصور الماتريدي
59
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الفصل السادس الحياة الفكرية والعلمية في عصر الماتريدي كان الإسلام محور الحركة العلمية وأساسها الأول حتى أواخر العصر الأموي ، فالعلوم التي يتدارسها المسلمون ويعنون بتدوينها وجمع مسائلها علوم دينية مادتها مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، وغايتها خدمة الإسلام ودعم أصوله وأركانه . فمبنى الفقه على الكتاب والسنة الصحيحة ، ومدار الحديث على أقوال النبي صلى اللّه عليه وسلم وأفعاله المأثورة عنه ، وأساس التاريخ سيرة النبي وغزواته . أما العلوم الدنيوية : كالطب والكيمياء فحظ المسلمين من الاشتغال بها قليل ، واهتمامهم بها ضعيف ، وأكثر من برعوا فيها واهتموا بها من غير المسلمين . أما الدولة العباسية فمعلوم لكل أحد أن الحركة العلمية نشطت في عصرها نشاطا كبيرا ، وتنازعت العلوم الدينية والعلوم العقلية اهتمام المسلمين وعنايتهم ، فكثر التدوين والتصنيف ورتبت مسائل العلوم ، وميّز كل علم عن غيره واستقل بموضوعه ومنهجه ، واستحدثت علوم جديدة كعلم التفسير والحديث وأصول الفقه ، وعني المسلمون بترجمة العلوم العقلية كالفلسفة والمنطق والرياضيات والطبيعة والكيمياء عن اليونان والهند . فلا غرو أن أثرى هذا النشاط الحركة العلمية في عصر الدولة العباسية - عصر الماتريدي - ثراء عظيما ، حتى عد هذا العصر بحق العصر الذهبي للحضارة الإسلامية القائمة على العلم الديني والدنيوي على سواء . ويمكننا أن نتلمّس ملامح الحركة العلمية ونقف على آثارها ونتائجها ببيان أهم العلوم التي دونت في القرنين الثالث والرابع الهجريين . العلوم المدونة في القرنين الثالث والرابع الهجريين وعني المسلمون منذ مطلع القرن الثالث الهجري بتدوين العلوم وجمع مسائلها وترتيب أبوابها ، واتسعت دائرة اهتمامهم العلمي لتشمل إلى جانب العلوم الدينية العلوم العقلية ، وفيما يلي نعرض بإيجاز لأبرز هذه العلوم : 1 - علم القراءات : القراءات : جمع قراءة ، وهي في اللغة : مصدر سماعي لقرأ ، وفي الاصطلاح : مذهب