أبي منصور الماتريدي
582
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها . هذا - والله أعلم - وعد كان وعده عزّ وجل لنبيه صلى اللّه عليه وسلم أنه يحوله إلى الكعبة من بيت المقدس ، وإخبار عما يقول له اليهود قبل أن يحول وقبل أن يقولوا له شيئا . ألا ترى إلى قوله : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [ البقرة : 144 ] ، أنه لو لم يكن فيها وعد بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة لكان تقلب وجهه إلى السماء بذلك تخييرا منه وتحكما عليه . وليس لأحد على الله التخيير والتحكم عليه في الأحكام والشرائع ولا في غيرها ، فدل أنه على الوعد له ما فعل . والله أعلم . ثم فيه إثبات رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم حيث كان أخبره على ما أخبر من التحويل إلى الكعبة . [ والقول منهم نقل أنه علم ذلك بالله واختلف في قوله سَيَقُولُ السُّفَهاءُ قيل : هو اليهود ، وقالوا ذلك عند تحويل القبلة إلى الكعبة ] « 1 » وذلك أنهم لا يرون نسخ الشرائع والأحكام ؛ لأنه كالبداء والرجوع عنها . وذلك فعل من يجهل عواقب الأمور ، كبان بنى بناء ثم نقضه لجهل منه به . لكن ذلك منهم جهل بمعرفة النسخ وقدره . ولو عرفوا ما النسخ ما نفوا نسخ الشرائع والأحكام . وأما النسخ عندنا : فهو بيان منتهى الحكم إلى وقت ليس فيه بداء ولا نقض لما مضى ، بل تجديد حكم في وقت بعد انقضاء حكم على بقاء الأول لوقت كونه ، ليس على ما فهمت اليهود من البداء والنقض لما مضى كالبناء الذي وصفوا . وبالله التوفيق . وإن كانت الآية في غير اليهود من أهل مكة ، على ما يقول بعض أهل التفسير ، فقالوا : لما رجع محمد إلى قبلتنا من القبلة الأولى يرجع إلى ديننا . فقال الله عزّ وجل : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ . قل يا محمد : لله المشرق والمغرب والأمكنة كلها والنواحي ، يأمر بالتوجه إلى أي ناحية شاء شرقا وغربا ، فالطاعة له في الائتمار لأمره ، والقبول لدعائه ، لا للتوجه نحو الشرق أو نحو الغرب لهوى هووا ولتمنّ تمنوا ؛ لأن اليهود جعلوا قبلتهم المغرب اتباعا لهواهم ، لا اتباعا لأمر أمروا به . وكذلك النصارى اتخذوا المشرق قبلة لهوى أنفسهم ؛ فأخبر الله تعالى المؤمنين أنهم يأتمرون بالله حيث ما أمروا توجهوا نحوه .
--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في ط .