أبي منصور الماتريدي

575

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

و قوله : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ . قيل « 1 » : أخلص . ويحتمل : أن يكون أمرا بابتداء إسلام ، على ما ذكرنا من تجدده في كل وقت يهمد « 2 » . ثم يحتمل : أن يكون وحيا أوحى إليه ، أن قل كذا ، فقال به . فإن كان وحيا فهو على أن يسلم نفسه لله . ويحتمل : أن يكون إسلام القلب - بتغاضى « 3 » الخلقة بالإسلام - فإن كان على هذا ؛ فهو على الإسلام دون توحيده . ويحتمل : أن يكون إسلام خلقة ؛ كقوله : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] ، بالخلقة . وعلى ذلك يخرج قوله لإبراهيم : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [ الحج : 27 ] ؛ فدعاهم ، فأجابوه في أصلاب آبائهم إجابة الخلقة وقت كونهم . وقيل : يحتمل : أن يكون أمر بابتداء الإسلام ، كقوله : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً . . . [ الأنعام : 76 ] إلى آخره . ثم قال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً [ الأنعام : 89 ] يكون جواب قوله : أَسْلِمْ والله أعلم . وقوله : وَوَصَّى بِها . يعنى بالملة . والملة تحتمل ما ذكرنا . وقوله : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . وهو الإسلام ؛ ردّا على قول أولئك الكفرة : إن إبراهيم كان على دينهم ؛ لأن اليهود زعمت أنه كان على دينهم يهوديّا . وقالت النصارى : بل كان على النصرانية . وعلى ذلك قالوا لغيرهم : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا [ البقرة : 135 ] . فلما ادّعى كلّ واحد من الفريقين : أنه كان على دينهم ، أكذبهم الله - عزّ وجل - في قولهم ، ورد عليهم في ذلك فقال : قل يا محمد : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً [ آل عمران : 67 ] ؛ فعلى ذلك قوله : اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

--> ( 1 ) قاله ابن جرير ( 1 / 610 ) والبغوي ( 1 / 118 ) . ( 2 ) في أ : يهمه . ( 3 ) في أ : بتقاضى .