أبي منصور الماتريدي

573

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أقدرهم الله على الفعل ، حتى قدروا ؛ فجاز أن يكون له عليه قدرة . وفي تحقيقها جواز خلق ذلك له ، ومثله في رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لا يحتمل ، ولا قوة إلا بالله . وقوله : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . أي : لا شئ يعجزه ، والعزيز بذاته ، وكل شئ دونه غير عزيز ، ذليل . وقيل « 1 » : العزيز : المنيع . وقيل « 2 » : العزيز : المنتقم من أعدائه . والحكيم : هو المصيب في فعله . والحكيم في أمره ونهيه . والحكيم هو الذي أحكم كل شئ جعله دليلا « 3 » على وحدانيته . ثم ذكر بعض المفسرين علل المناسك فقال : سميت العرفات عرفات ؛ لما قيل له : عرفت . ومنّى ؛ لما قيل له : تمنّه . ورمى الجمار ؛ لما استقبل لإبراهيم الشيطان فرمى . فهذه العلل لا تطمئن بها القلوب ، وتنفر عنها الطباع ، ألا ترى أنه ذكر في قصة آدم فعل ذلك جملة ؛ فزال المعنى الذي ذكر في إبراهيم عليه السلام ؟ ! ثم قد ذكر في الخبر أن الملائكة قالت لآدم : حججناها قبلك بألفي عام ؛ فثبت أنهم قد فعلوا هذا كله . ثم يمكن نصب الحكمة فيه من طريق العقل ، وهو أن الحج قصد لزيارة ذلك المكان ؛ فأمر بمختلف الأفعال الواقع بها الزيارة . كالصلاة : إنها الخضوع لعينه ؛ ولذلك أمر فيها بإحضار الأفعال المختلفة من حال الخضوع . ثم المرء قد يخضع مرة بالقيام ، ومرة بالركوع ، ومرة بالسجود . أمر بإحضار مختلف الأفعال التي فيها الزورة . غير أن الصلاة تخالف الحج ؛ فلأن أفعالها فعل المعاش أمر فيها بإحضار حالة تذكره الخضوع ، والوقوف لله ، مفرقا بين تلك الحالة وحالة المعاش ؛ ولهذا تقضى في كل مكان . ثم أفعال الحج في ظاهرها إلى أفعال المعاش ، وما إليه وقع القصد - لا عينها - غير

--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 1 / 117 ) . ( 2 ) ينظر التخريج السابق . ( 3 ) زاد في أ : به .