أبي منصور الماتريدي

57

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ويمثل هذه النزعة وينتصر لها العلماء والصالحون من العرب والعجم جميعا . النزعة الثالثة : يؤمن أصحاب هذه النزعة بأفضلية العجم على العرب ، ويفندون الحجج التي ارتكز عليها أصحاب النزعة الأولى في تفضيل العرب ، فيقولون : إن الإسلام ليس دينا عربيّا أنزله الله لهداية العرب وحدهم ، بل هو دين عام للناس أجمعين ، ودعوته موجهة لكل الأجناس ، وليس للعرب ما يمتازون به عن غيرهم . وما افتخروا به من سجايا كريمة وشيم نبيلة كالكرم والوفاء والنجدة وغيرها ، ليست قصرا عليهم بل يشاركهم فيها سائر الأمم . وقد أطلقت الشعوبية على هذه النزعة الأخيرة حتى غدت مرادفة لها ، فصنف العجم كتبا في مثالب العرب ومناقب العجم ، بل تجرأ الشعوبيون فوضعوا الأحاديث ونسبوها زورا للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، إثباتا لفضيلة العجم « 1 » . ثانيا : الزندقة : لعل من الأسباب التي أدت إلى شيوع الزندقة وقوة تيارها في العصر العباسي : نشاط الحركة العلمية العقلية في هذا العصر ؛ إذ لم يقتصر البحث على العلوم الدينية النقلية من جمع أحاديث وتفسير للقرآن ، واستنباط للأحكام الشرعية ، بل تعداها إلى دراسة المنطق والكلام والفلسفة وغيرها من العلوم التي تثير في النفس والعقل من الحيرة والشك أكثر مما تثبت فيهما من الإيمان واليقين . وكذلك فإن كثيرا من الفرس ساءهم ألا يحققوا ما يطمحون إليه من مطامع ، ورأوا أن الإسلام ما دام قويا ، فلن يتحقق لهم ما يرنون إليه ؛ ولذلك عملوا على هدم الإسلام من داخله عن طريق نشر المبادئ المانوية والزرادشتية والمزدكية ، فكان ذلك عاملا مباشرا أسهم في ذيوع الزندقة وانتشار أفكارها الهدامة « 2 » . وتعني الزندقة اعتناق الإسلام ظاهرا ، واعتناق أديان الفرس باطنا ، وخاصة مذهب ماني ، وإنما أظهروا الإسلام رغبة في إفساده وهدم تعاليمه ، أو لنيل الجاه والظفر بالسلطان . واجتهد الخلفاء العباسيون في تعقب الزنادقة ومحاكمتهم ، كما شجعوا المتكلمين وأهل الجدل على تأليف الكتب للرد على الزنادقة ، وأمر الخلفاء بمناظرتهم واستتابتهم ، فإن تابوا وإلا قتلوا .

--> ( 1 ) انظر : ضحى الإسلام ( 1 / 49 ) . ( 2 ) انظر : السابق ( 1 / 138 ، 139 ) .