أبي منصور الماتريدي

568

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ومنها فضل ، به جعلت قرب التصدق ؛ لأنه له بحق التلذذ ، لا بحق ما لا بد منه . وكذلك نوع تقلب الأحوال في النفس التي هي بحق الضرورة ، لم يجعل لمثل ذلك فضل قربة يؤديها سوى ما به حياته . وذلك يجعل بحكم الفرض عليه ولا ندبه . وكذلك أمر الصيام : لم يجعل عما لا بد منه للقوة ، ولكن فضل قوة في الاحتمال . لكن الزكاة « 1 » هي من حقوق ما يجوز أن يكون هي لغير من عليه ، ففرض عليه البذل إلى غيره . وحقوق الأفعال لا تحتمل أن يصير السبب الذي له به يجب أن يكون لغيره فيجب عليه ؛ فجعل فرض ذلك الفعل في نفسه . وهي تجب للأحوال لوجهين : أحدهما : أن فيها حقوقا شائعة ، على نحو النفقات ، فأخرت هي إلى الحول ؛ تخفيفا ، أو لما هي تجب فيما له حكم الفضل . والفضل : ما يفضل عن الحاجة . والحاجات تتجدّد في أوقات - لا أنها تتتابع - لا يظهر في مثله الفضل إلا بمدة بينة أكثرها حول . ثم فرض الحجّ جعل في العمر مرة « 2 » ؛ لأنه في حق الأسفار المديدة ، التي لا يختار مثلها للذات إلا في النوادر ، فلم يوجب مثله إلا خاصّا ؛ فأوجب في جميع العمر مرة .

--> ( 1 ) في أ : الزكوات . ( 2 ) الحج فرض عين على كل مكلف مستطيع في العمر مرة ، وهو ركن من أركان الإسلام ، ثبتت فرضيته بالكتاب والسنة والإجماع : - أما الكتاب : فقد قال الله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ آل عمران : 97 ] . فهذه الآية نص في إثبات الفرضية ، حيث عبر القرآن بصيغة وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ وهي صيغة إلزام وإيجاب ، وذلك دليل الفرضية ، بل إننا نجد القرآن يؤكد تلك الفرضية تأكيدا قويا في قوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فإنه جعل مقابل الفرض الكفر ، فأشعر بهذا السياق أن ترك الحج ليس من شأن المسلم ، وإنما هو شأن غير المسلم . - وأما السنة فمنها حديث ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، والحج » . وقد عبر بقوله : « بنى الإسلام . . . » فدل على أن الحج ركن من أركان الإسلام . وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال : « خطبنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال : أيها الناس ، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : لو قلت نعم ، لوجبت ولما استطعتم . . . » . وقد وردت الأحاديث في ذلك كثيرة جدا حتى بلغت مبلغ التواتر الذي يفيد اليقين والعلم القطعي اليقيني الجازم بثبوت هذه الفريضة . - وأما الإجماع : فقد أجمعت الأمة على وجوب الحج في العمر مرة على المستطيع ، وهو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة ويكفر جاحدها . ينظر : الشرح الكبير للدردير ( 2 / 2 ) ، مغنى المحتاج ( 1 / 459 ) ، شرح منتهى الإرادات ( 1 / 472 ) .