أبي منصور الماتريدي
557
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - وكذا قالوا : « لو كان الله تعالى هو الخالق لفعل العباد لما استحقوا الذم على القبيح والمدح على الحسن ، وذلك لأن المدح والذم على فعل الغير لا يصح ، ولا فرق بين من اعتقد حسن ذلك وبين من اعتقد ذم الجماد والأعراض ومدحها لما يقع منه تعالى من الأفعال » . واستدلوا من القرآن بقوله تعالى : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ . . . [ الملك : 3 ] ووجه استدلالهم من الآية أنها تنفى التفاوت عن خلقه سبحانه ، وهذا من أكبر الأدلة على أنه سبحانه لم يخلق أفعال العباد لما فيها من تفاوت كبير . الثاني : مذهب الجبرية : وهو نفى القدرة والاستطاعة عن الإنسان في سائر أعماله ، وأن الأفعال مخلوقة لله تعالى فينا لا تعلق لنا بها أصلا ، لا اكتسابا ولا إحداثا وإنما نحن كالظرف لها . وكأن مذهب الجبرية يأتي في مقابل مذهب المعتزلة ، فهما على النقيض . الثالث : مذهب الأشاعرة : ويرى الأشاعرة أن أفعال العباد واقعة بقدرة الله تعالى وحدها وليس للعبد فيها أدنى تأثير ، فهي مخلوقة لله من حيث الإبداع والإحداث وللعبد فيها الكسب . ويفسرون حدوث الأفعال من العبد بأن الله سبحانه وتعالى قد أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارا ، فإذا لم يوجد مانع أوجد فعله المقدور مقرونا بهذه القدرة والاختيار وهم هنا يثبتون للعبد في أفعاله الكسب ، ومعناه كما يقول الإمام أبو الحسن الأشعري : « الفعل القائم بمحل قدرة العبد » . فالأشعرى يرى أن الإنسان يقدره الله على إحداث الفعل عند مباشرته ، فيقع الفعل عند هذه القدرة لا بها . ومن هنا يرى أنه ليس لهذه القدرة تأثير في إيجاد الفعل . ويختلف بعض الأشاعرة مع الأشعري في مفهوم الكسب فذهب الباقلاني : إلى أن أفعال العباد من حيث هي أفعال واقعة بقدرة الله ، ومن حيث هي صفات واقعه بقدرة العباد ، فمثلا : الصلاة من حيث هي فعل واقعة بقدرة الله ، ومن حيث تخصيصها واقعة بقدرة العبد . وعلى ذلك فالباقلانى يتفق مع الأشعري في أن الفعل واقع بقدرة الله من حيث هو فعل ويختلف معه في القول بأنه واقع بقدرة العبد من حيث هو صفة . وذهب الجويني : إلى القول بأن لقدرة العبد تأثيرا في وجود المقدور ، لكن ليس باستقلال ، بل إن هذه القدرة تستند إلى سبب ، وهذا السبب يستند إلى سبب ، وهكذا حتى ينتهى الأمر إلى مسبب الأسباب . فهو يختلف عن إمام المذهب ، حيث جعل لقدرة العبد أثرا في إحداث الفعل . وذهب الأسفرائيني : إلى أن فعل العبد واقع بقدرة الله وقدرة العبد معا . ومع هذا الاختلاف بين الأشاعرة فإنه يبقى اتفاقهم على أن الفعل واقع بقدرة الله وللعبد فيه الكسب . والأشاعرة بهذا يقفون موقفا وسطا بين المعتزلة والجبرية . أدلتهم : ساق الأشاعرة الكثير من الأدلة النقلية والعقلية : أولا : الأدلة النقلية : استدلوا من النقل بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية : فمن القرآن الكريم : - قوله - تعالى - : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 102 ] . ووجه استدلالهم من الآية أنها تدل على أن الله - تعالى - خالق كل شئ ، ولما كانت أفعال العباد أشياء فوجب كونه خالقا لها . -