أبي منصور الماتريدي
552
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
عيسى في ناحية المشرق بقوله : إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا [ مريم : 16 ] . واليهود اختاروا قبلتهم ناحية المغرب ؛ لأن موسى عليه السلام كان بناحية المغرب لما أعطى الرسالة وكلمه ربه ؛ كقوله : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ [ القصص : 44 ] . وأما أهل الإسلام فإنما اختاروا الكعبة - شرفها الله - قبلة بالأمر ، لا اتباعا لهواهم . والعقل يوجب أن تكون الكعبة قبلة ؛ إذ هي مقصد الخلق من آفاق الدنيا ، فلما احتيج في الصلاة إلى التوجه إلى وجه كان أحق ذلك الموضع الذي جعل للخلق مقاصد أخرى « 1 » . ثم قوله تعالى : وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ . أخبر - عزّ وجل - رسوله : أن ليس في وسعك إرضاء هؤلاء ؛ لاختلافهم في الدعاوى في الملل . فإن قيل : كيف نهى رسوله عن اتباع ملتهم على علم منه : أنه لا يتبع ؟ قيل : لأن العصمة لا تزيل المحنة ، ولا تدفعها ، بل المحنة إنما تقع في العصمة لوجهين : أحدهما : أن عصمته لما مضى لا توجب عصمته في الحادث . والثاني : أن أحق من ينهى عن الأشياء من أكرم بالعصمة ؛ إذ على زوال النهى يرتفع عنه جهة العصمة ؛ لأنه يصير برفع النهى مباحا . فلهذا دل القول على النهى عما فيه إرضاؤهم - وإن كان في الأصل معصوما عنه - وبالله التوفيق . وفي إزالة الأمر والنهى إزالة فائدة العصمة ؛ لأن العصمة : هي أن يعصم في الأمر حتى يؤديه ، وفي النهى ، حتى ينتهى عنه ، وبالله التوفيق . وقوله : قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ . قيل : إن دين الله - الذي اختاره أهل الإسلام ؛ بالأمر ، واتباع الآيات ، والحجج - هو الدين ، لا كما اختار أولئك بهوى أنفسهم ، واستقبال الآيات والحجج بالرد ، والإنكار ، والمعاندة . ويحتمل : أن يكون الخطاب في قوله : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
--> ( 1 ) في أ : مقصدا آخر .