أبي منصور الماتريدي
547
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يكون إلا من جوهره ، وإلى هذا يذهب الحسن « 1 » . والثاني : أن الخلة تقع لأفعال تكتسب ، وتسبق منه ، فيعلو أمره ، وترتفع مرتبته ؛ فيستوجب بذلك الخلة بمعنى الجزاء ، وأما الولد فإنه لا يقع عن أفعال تكتسب ، بل بدو ما به استحقاقه يكون من مولده . وقد نفى عن نفسه ما به يكون بقوله : أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ [ الأنعام : 101 ] . والثالث : ما قاله الراوندي : أنه لا بد من أن يدعى إلى التسمي ، أو إلى التحقيق ؛ إذ في الخلة تحقيق ما به يسمى . ثم لم يحتمل في هذا تحقيق ما به يسمى ، والاسم لم يرد به الإذن ، وبالله التوفيق . ويحتمل قوله : بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وجها آخر ، وهو أن يقال : إن ما في السماوات وما في الأرض ، كلهم عبيده وإماؤه ، فأنتم مع شدة حاجتكم إلى الأولاد لا تستحسنون أن تتخذوا عبيدكم وإماءكم أولادا ، فكيف تستحسنون ذلك لله - عزّ وجل - وتنسبون إليه مع غناه عنه ؟ وبالله التوفيق . وقوله : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ . قيل فيه بوجوه : قيل « 2 » : إن كل من في السماوات والأرض من الملائكة ، وعيسى ، وعزير ، وغيرهم - من الذين قلتم : إنه اتخذهم ولدا - قانتون له ، مقرّون بالربوبية له ، والعبودية لأنفسهم له . وقيل « 3 » : قانِتُونَ : مطيعون ؛ أي : كلهم مطيعون متواضعون . وقيل « 4 » : القانت : هو القائم ، لكن القائم على وجهين : يكون القائم المنتصب على الأقدام ، ويكون القائم بالأمر والحفظ . ثم لا يحتمل أن يراد بالقانت هاهنا : المنتصب بالقدم ؛ فرجع إلى الطاعة له وحفظ ما عليه ، وهو كقوله : هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الرعد : 33 ] من الحفظ والرزق . ويحتمل : تنزيه الخلقة ؛ لأن خلقة كل أحد تنزه ربه عن جميع ما يقولون فيه . أو أن يقال : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ في الجملة ؛ كقوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزخرف : 87 ] .
--> ( 1 ) في أ : الحسين . ( 2 ) قاله عكرمة ، أخرجه ابن جرير عنه ( 1858 ) . وانظر الدر المنثور ( 1 / 208 ) . ( 3 ) قاله ابن عباس وقتادة ، أخرجه ابن جرير عنهما ( 1852 ، 1857 ) . وانظر الدر المنثور ( 1 / 208 ) . ( 4 ) قاله الربيع ، أخرجه ابن جرير عنه ( 1859 ) ، وانظر تفسير البغوي ( 1 / 108 ) .