أبي منصور الماتريدي

514

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فكان كما قال ؛ فدل أنه من عند الله علم ذلك . وقوله : بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ . من الذنوب ، والعصيان ، والتكذيب بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، والحسد له . وهم - والله أعلم - قد عرفوا عن صنيعهم ، وما لهم من عند الله من العذاب والجزاء ، لكنهم قالوا ذلك ؛ على التعنت ، والمكابرة ، والسفه ؛ لذلك لم يتمنوا ، والله الموفق . وقوله : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ . هو على الوعيد ؛ كقوله : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ [ إبراهيم : 42 ] . ويحتمل : عليم بالظالمين ؛ بما يفضحهم بالحجج ، ويظهر كذبهم في الدنيا ؛ لئلا يظن أحد أنه عن غفلة بما يعملون ، بل خلقهم على علم منه بما يعملون . خلقهم ؛ ليعلم أنه لا لنفع له بخلقهم خلقهم ، وأن ذلك لا يضره . وقوله : وَلَتَجِدَنَّهُمْ يعنى اليهود . أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ . وعلى كراهية الموت . فدل حرصهم على حياة الدنيا أنهم كذبة فيما يزعمون ويدعون . وقوله : وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ . يعنى : المجوس « 1 » .

--> ( 1 ) والمجوسية بالفتح نحلة . وفي الحديث : « فأبواه يمجسانه » . ويقول الشهرستاني : ( المجوسية يقال لها الدين الأكبر ، والملة العظمى ) . وأطلق العرب اسم المجوس على قرصان النورمان ، والسكاندينافيين الذين حاولوا في القرون الوسطى اقتحام السواحل أو الحدود في بلاد الغرب الإسلامي . وقد عرفت المجوسية بأنها ديانة الفرس ؛ لأن معظم الفرس كانوا يدينون بها منذ ظهرت في بلادهم خصوصا ( الزرادشتية ) . التي كانت الدين الرسمي ( للدولة الساسانية ) التي تأسست عام 226 ق . م . وإن كانت بدايتها أسبق من نشأة هذه الدولة بكثير ، فشأن المجوسية شأن غيرها من أديان قديمة جابت أرجاء المعمورة في مصر واليونان والصين والهند والعراق وغيرها ، لكنها لم تقتصر على بلاد الفرس وحدها ، حيث إن بعض العرب دانوا بها في هجر وحضرموت وعمان ، وقيل : إن بعض العرب كان يدين ( بالمزدكية ) وممن تمجس من العرب ( زرارة بن عدس ) وابنه ( حاجب ) و ( الأقرع بن حابس ) وغيرهم . -