أبي منصور الماتريدي

512

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قالُوا سَمِعْنا قولك ، وَعَصَيْنا أمرك . لكن قولهم : وَعَصَيْنا لم يكن على أثر قولهم : سَمِعْنا ، ولكن بعد ذلك بأوقات ؛ لأنه قيل : لما أبوا قبول التوراة ؛ لما فيها من الشدائد والأحكام ، رفع الله الجبل فوقهم « 1 » ، فقبلوا ؛ خوفا من أن يرسل عليهم الجبل ، وقالوا : أطعنا ، فلما زايل الجبل ، وعاد إلى مكانه ، فعند ذلك قالوا : وَعَصَيْنا ، وهو كقوله : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ [ البقرة : 64 ] فالتولى منهم كان بعد ذلك بأوقات . وقوله : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ . قيل « 2 » : أشربوا ، أي : جعل في قلوبهم حبّ عبادة العجل بكفرهم بالله عزّ وجل . وقيل : سقوا حبّ العجل . وقيل : إن موسى لما أحرق العجل ، ونسفه في البحر جعلوا يشربون منه لحبهم العجل . وقيل « 3 » : لما أحرق ونسف في البحر جعلوا يلحسون الماء حتى اصفرت وجوههم . وقيل : إنهم لما رأوا في التوراة ما فيها من الشدائد ، قالوا عند ذلك : عبادة العجل علينا أهون مما فيها من الشرائع . وكله يرجع إلى واحد ، وذلك كله آثار الحب . وقوله : قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . قيل « 4 » : قل يا محمد : بئسما يأمركم إيمانكم بالعجل الكفر بالله عزّ وجل . وقيل : إن اليهود ادعوا أنهم مؤمنون بالتوراة ؛ فقال : بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ أي بالتوراة ؛ إذ كفرتم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد وجدتم فيها نعته وصفته . وقوله : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . وذلك أن أعداء الله - تعالى - كانوا يقولون : إن الجنة لنا في الآخرة ، بقولهم : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] ، وكقولهم : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا [ البقرة : 135 ] ، وكقولهم : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] ؛

--> ( 1 ) في أ : عليهم . ( 2 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير عنه بنحوه ( 1564 ) ، وعن أبي العالية ( 1565 ) ، والربيع ( 1566 ) . وانظر الدر المنثور ( 1 / 172 ) . ( 3 ) قاله السدى ، أخرجه ابن جرير عنه بنحوه ( 1567 ) ، وعن السدى ( 1568 ) . ( 4 ) قاله البغوي في تفسيره ( 1 / 95 ) .