أبي منصور الماتريدي

510

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا . يعنى التوراة ، وهم لم يكونوا آمنوا بالتوراة ؛ لأنهم لو كانوا آمنوا بها لكان في الإيمان بها إيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وبما أنزل عليه ، وإيمان بجميع الأنبياء - عليهم السلام - والرسل ، وبجميع ما أنزل عليهم ؛ لأن فيها الأمر بالإيمان بجميع الرسل وبكتبهم ؛ لأنه قال : مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ ، وموافقا له . فالإيمان بواحد منهم إيمان بجميع الكتب ، وبعضها موافق لبعض . وقوله : وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ . قيل « 1 » : وراء التوراة كفروا بالإنجيل والفرقان ؛ كأنه قال : كفروا بالذي وراءه وهو الحق ؛ إذ هما موافقان لما معهم ، غير مخالف له . ويحتمل : وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ يعنى : وراء موسى بعيسى وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ كأنه قال : من ورائه صلى اللّه عليه وسلم . وقوله : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . فإن قالوا : إنا لم نقتل الأنبياء ، ونحن مؤمنون . قيل لهم : إنكم - وإن لم تتولوا القتل - فقد رضيتم بصنيع أولئك ، واتبعتم لهم ، مع ما قد همّوا بقتل محمد صلى اللّه عليه وسلم مرارا ؛ ولذلك أضيف إليهم . وقيل : أخبر - عزّ وجل - نبيّه صلى اللّه عليه وسلم غاية سفههم ، وعتوهم ، ومكابرتهم في تكذيبه . وذلك : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم دعا اليهود إلى الإيمان به ، وبما أنزل عليه . فقالوا : ائتنا بالآيات والقربان ، كما كانت الأنبياء - من قبل - يأتون بها قومهم . يقول الله - عزّ وجل - : قد كانت الأنبياء من قبل تجىء - بما تقولون - إلى آبائكم ؛ من الآيات والقربان ، فكانوا يقتلونهم . فيقول الله - عزّ وجل - لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : أن قل لهم : لم تقتلون ؟ يقول : لم قتل آباؤكم أنبياء الله قبل محمد صلى اللّه عليه وسلم وقد جاءوا بالآيات والقربان إن كنتم صادقين بأن الله عهد إليكم « 2 » في التوراة : ألا تؤمنوا « 3 » لرسول حتى يأتيكم « 4 » بقربان تأكله النار ، وقد جاءوا به . فلم قتلوهم ؟ !

--> ( 1 ) قاله أبو العالية ، أخرجه ابن جرير عنه ( 1560 ) ، وعن الربيع ( 1561 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 172 ) . ( 2 ) في أ : إلينا . ( 3 ) في أ : نؤمن . ( 4 ) في أ : يأتينا .