أبي منصور الماتريدي
508
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لم يقتل . أو كان ما ذكر من النّصرة لهم كان بالحجج والآيات . ثم في الآية دلالة رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ونبوته ؛ لأنه أخبرهم بتكذيب بعض الرسل ، وقتل بعضهم ، فسكتوا عن ذلك ، فلو لا أنهم عرفوا أنه رسول - عرف ذلك بالله - وإلا لم يسكتوا عن ذلك . وقوله : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ . يعنى : في أكنة عليها الغطاء ؛ فلا نفهم ما تقول ، ولا نفقه ما تحدّث . يدّعون زوال الخطاب عن أنفسهم ؛ كراهية لما سمعوا . وأكذبهم الله تعالى بقوله : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أي : طردهم الله ؛ بكفرهم ، وعتوهم ، وتفريطهم في تكذيب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، واعتنادهم إياه ، لا أن قلوبهم بمحل لا يفهمون شيئا مما يخاطبون به - على ما يزعمون - ولكن ذلك لترك التفكر والتدبر فيها . وقيل في قوله : قُلُوبُنا غُلْفٌ : يعنى : أوعية ، تفهم وتعى ما يقال ، ويخاطب ، ولكن لا تفهم ما تقول ، ولا تفقه ما تحدث ، فلو كان حقّا وصدقا لفهمت ولفقهت عليه . يدّعون إبطال ما يقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم لهم ، وذلك نحو ما قالوا لشعيب : ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ [ هود : 91 ] . وقوله : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ . قيل فيه بوجهين : قيل « 1 » : فقليلا أي بقليل ما يؤمنون من التوراة ؛ لأنهم عرفوا نعته وصفته ، وحرفوه ، فلم يؤمنوا به . وقيل : فقليلا ، أي : قليل منهم يؤمنون بالرسل ، صلى الله عليهم وسلم . وقوله : وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ . فلو لا أنهم عرفوا أن هذا الكتاب هو موافق لما معهم من الكتاب ، غير مخالف له ، وإلا لأظهروا الخلاف لو عرفوا ذلك ، ولتكلفوا على إطفاء هذا النّور ودفعه ؛ فدل سكوتهم عن ذلك ، وترك اشتغالهم بذلك ، أنهم عرفوا موافقته لما معهم من التوراة ؛ ففيه آية نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقوله : وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ .
--> ( 1 ) قاله معمر ، أخرجه ابن جرير عنه بنحوه ( 1519 ) .