أبي منصور الماتريدي
501
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أحدهما : أن هؤلاء لم يعبدوا العجل ، وإنما عبد آباؤهم ؛ فلا معنى لصرف ذلك إلى هؤلاء . والثاني : لو صرف ذلك إلى آبائهم الذين عبدوا العجل لم يحتمل أيضا ؛ لأنهم قد تابوا ورجعوا عن ذلك ؛ فلا معنى للتعذيب على عبادة العجل بعد التوبة والرجوع إلى عبادة الله ؛ كقوله : إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] ، والله أعلم . وتصرف الأيام المعدودة إلى العمر الذي عصوا فيه ؛ لما لم يروا التعذيب إلا على قدر وقت العصيان والذنب ، أو لما لم يكونوا يرون التخليد في النار أبدا ، أو لما هم عند أنفسهم ، كما أخبر الله عنهم ، بقوله : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] ، وكقولهم : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] . يقولون : إنا لا نعذّب أبدا ، إنما نعذّب تعذيب الأب ابنه أو الحبيب حبيبه ؛ يعذّب في وقت قليل ، ثم يرضى ، ويدخل الجنة . ولكن عقوبة الكفر أبدا ، والتخليد فيها لا لوقت ، وكذلك ثواب الإيمان للأبد لا لوقت ؛ لأن من اعتقد دينا إنما يعتقده للأبد لا لوقت ؛ فعلى ذلك جزاؤه للأبد لا لوقت . وأما من ارتكب ذنبا من المسلمين ؛ بشهوة تغلبه في وقت ، فيرتكبه ، ثم يتركه - فإنما يعاقب إن عوقب على قدر ما ارتكب في وقت ؛ لأنه لم يرتكبه للأبد ؛ لذلك افترقا ، والله أعلم . وقوله : قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ . والعهد يحتمل : هل عندكم خبر عن الله تعالى بأنكم لا تعذبون أبدا ، ولكن أياما معدودة ؟ فإن كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده . والثاني : أتخذتم عند الله عهدا ، أي لكم أعمال صالحة عند الله فوعدكم بها الجنة ، فهو لا يخلف وعده . أي : ليس لكم واحد من هذين ، لا خبر عن الله بأنه لا يعذبكم ، ولا أعمال صالحة وعد لكم بها الجنة . وقوله : أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ * بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . هذا إكذاب من الله - عزّ وجل - إياهم بذلك القول ، كأنه قال : بل تقولون على الله ما لا تعلمون ؛ ألا ترى أنه قال : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ؟ ! يقول : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً يعنى : شركا وَأَحاطَتْ بِهِ ، أي : مات عليها .