أبي منصور الماتريدي
492
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والثاني : أن ذلك كان آية عظيمة لهم ، لم يكن ذلك لغيرهم . والثالث : أن أولياء المقتول قد كانوا - قبل أن يحيى - يدّعون عليهم القتل ، فلو كان لهم حق القبول ، لم يحتج إلى تلك الآية . والرابع : أن قبول قول الميت أحق من قبول قول الولي ؛ لأن الولىّ ينتفع بقوله ، والميت لا ينتفع بقوله شيئا ، ثم القتيل لا يقبل قوله في شريعتنا فكذلك الولي ، والله الموفق . ثم وجه جعل البقرة آية دون غيرها من البهائم وجهان : أحدهما : ما روى « 1 » أن رجلا كان بارّا بوالديه ، محسنا إليهما عاطفا عليهما ، وكانت له بقرة على تلك الصفة والشبه ، فأراد الله - عزّ وجل - أن يوصل إليه في الدنيا جزاء ما كان منه بمكان والديه . والثاني : أنهم كانوا يعبدون البقور والعجاجيل ، وحبّب ذلك إليهم ؛ كقوله : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [ البقرة : 93 ] ، ثم تابوا وعادوا إلى عبادة الله وطاعته ، فأراد الله أن يمتحنهم بذبح ما حبّب إليهم ؛ ليظهر منهم حقيقة التوبة ، وانقلاع ما كان في قلوبهم من حب البقور والعجاجيل ، والله أعلم . وقوله : لا فارِضٌ .
--> - هو بدل النفس ، وأصلها : ودية ؛ فهي محذوفة الفاء كعدة من الوعد ، وزنة من الوزن . وكذلك هبة من الوهب . والهاء في الأصل بدل من فاء الكلمة التي هي الواو ، ثم سمى ذلك المال : ( دية ) تسمية بالمصدر . وفي الاصطلاح : عرفها بعض الحنفية بأنها اسم للمال الذي هو بدل النفس . ومثله ما ذكر في كتب المالكية ، حيث قالوا في تعريفها : هي مال يجب بقتل آدمي حر عوضا عن دمه . لكن قال في ( تكملة الفتح ) : الأظهر في تفسير الدية ما ذكره صاحب ( الغاية ) آخرا من أن الدية : اسم لضمان مقدر يجب بمقابلة الآدمي أو طرف منه ، سميت بذلك ؛ لأنها تؤدى عادة وقلما يجرى فيها العفو ؛ لعظم حرمة الآدمي . وهذا ما يؤيده العدوي من فقهاء المالكية حيث قال بعد تعريف الدية : إن ما وجب في قطع اليد مثلا يقال له : دية حقيقة ؛ إذ قد وقع التعبير به في كلامهم . أما الشافعية والحنابلة فعمموا تعريف الدية ليشمل ما يجب في الجناية على النفس وعلى ما دون النفس . قال الشافعية : هي المال الواجب بالجناية على الحر في نفس أو فيما دونها . وقال الحنابلة : إنها المال المؤدّى إلى مجنىّ عليه ، أو وليه ، أو وارثه بسبب جناية . وتسمى الدية : عقلا أيضا ، وذلك لوجهين : أحدهما : أنها تعقل الدماء أن تراق ، والثاني : أن الدية كانت إذا وجبت وأخذت من الإبل تجمع فتعقل ، ثم تساق إلى ولى الدم . ينظر : كفاية الطالب مع حاشية العدوي ( 3 / 237 ، 238 ) ، نهاية المحتاج ( 7 / 298 ) ، مغنى المحتاج ( 4 / 53 ) ، مطالب أولى النهى ( 6 / 75 ) ، كشاف القناع ( 6 / 5 ) . ( 1 ) تقدم .