أبي منصور الماتريدي

487

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ورأوا التشديد ، والمشقة - أبوا قبولها ، وتركوا العمل بما فيها من الأحكام والشرائع ؛ فخوّفوا برفع الجبل فوقهم ؛ فقبلوا ذلك ، والله أعلم . وقوله : فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ . يحتمل وجوها : قيل « 1 » : فضل الله عليكم الإسلام ورحمته : القرآن . وقيل : فضل الله عليكم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، بعث إليكم رسولا ؛ ليجمعكم ، ويؤلف بينكم ، ويدعوكم إلى دين الله الحق ، بعد ما كنتم في فترة من الرسل ، وانقطاع من الدين والعمل . ويحتمل : فضل الله عليكم ؛ لما أنجى آباءكم من العذاب ، ولم يرسل عليهم الجبل ، وإلا ما توالدتم أنتم . وقيل : فضل الله عليكم ؛ لما أعطاهم التوراة ، ووفقهم على قبولها ، وإلا كنتم من الخاسرين . وبعضه قريب من بعض . وقوله : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ . فيه دلالة إثبات رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ كأنه قال : ولقد علمتم أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يعلم الذين اعتدوا منكم في السبت ، ولا كان علم ما فعل بهم ، ثم علم ذلك ؛ فإنما علم بالله - عزّ وجل - لأنه لم يكن قرأ كتابكم ، ولا كان يختلف إلى أحد ممن يعرف ذلك ؛ فبالله - عزّ وجل - عرف ذلك ، وبه علم ؛ فدل : أنه رسول الله إليكم . ويحتمل قوله : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ . أي : علمتم ما أصاب أولئك باعتدائهم يوم السبت بالاصطياد ، وكنتم تقولون : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] . يعنى : أبناء رسل الله وأحباؤه . فلو كان كما تقولون ، لم يكن ليجعلهم قردة - وهي أقبح خلق الله ، وأوخشه - إذ مثل ذلك لا يفعل بالأحبّاء ولا بالأبناء . أو أن يحمل على التحذير لهؤلاء ؛ لئلا يكذّبوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم ولا يعصوه في أمره ، فيصيبكم ما أصاب أولئك ؛ بتكذيبهم موسى ، وعصيانهم أمره ، والله أعلم . ثم سبب تحريم الاصطياد في السبت كان - والله أعلم - لما قيل : إنّ موسى صلى اللّه عليه وسلم أراد أن يجعل يوما لله ، خالصا للطاعة له ، والعبادة فيه - وهو يوم الجمعة - فخالفوا هم أمره

--> ( 1 ) قاله أبو العالية ، أخرجه ابن جرير عنه ( 1137 ، 1138 ) .