أبي منصور الماتريدي
480
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كان ذلك أنفع لهم ، وأهون عليهم ، من جهة الرعى والربع وسعة المنازل . وفي الأول : سبق المعنى الذي وصفنا ، والله أعلم . وقوله : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ . أي : موردهم . وفيه دلالة قطع التنازع ، ودفع الاختلاف من بينهم ؛ لما بين لكل فريق منهم موردا على حدة . ولو كان مشتركا لخيف وقوع التنازع والاختلاف بينهم ، وفي وقوع ذلك بينهم قطع الأنساب والأرحام ، وبالله التوفيق . وقوله : كُلُوا . يعنى : المنّ والسلوى . وقوله : وَاشْرَبُوا من رزق الله ، من الماء الذي أخرج لهم من الحجر ، وكلاهما رزق الله ، الذي ساقه إليهم ، من غير تكلف ولا مشقة . وقوله : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . قيل « 1 » : لا تسعوا في الأرض بالفساد . ويحتمل : لا تعثوا ، أي : لا تفسدوا ؛ لأن العثوّ هو الفساد نفسه ، كأنه قال : لا تفسدوا في الأرض ؛ فتكونوا مفسدين . وقوله : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ . قيل فيه بوجوه : قيل : أول ما أنزل المن ، فعند ذلك قالوا : لن نصبر على طعام واحد ، ثم أنزل السلوى . وقيل « 2 » : كانوا يتخذون من المن القرص ، فيأكلون مع السلوى ، فهو طعام واحد ؛ فقالوا : لن نصبر عليه . ويحتمل : أن يكون طعامهم في اليوم مرة ؛ فطلبوا الأطعمة المختلفة . والله أعلم . وقوله : فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها .
--> ( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 1054 ) وعن أبي العالية ( 1051 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 140 ) . ( 2 ) ذكره البغوي في تفسيره بنحوه ( 1 / 78 ) .