أبي منصور الماتريدي
476
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - اجتماعه ، وليس بقابل لعرض ما ، وليس بجسم ، ولا جوهر ولا عرض » . فيقول : لا بد من أن يكون الهيولى - وهو لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة - جسما أو جوهرا أو عرضا ؛ لأنه من جملة العالم ، والعالم هذه الثلاثة وإذا كان واحدا من هذه الثلاثة يكون حادثا كسائر الأجسام والجواهر والأعراض ، ولأنه لا يخلو عرض ما إن كان يخلو عن الاجتماع والافتراق ، وهو الخفة والثقل والحركة والسكون . ثم يقول : لم كان الهيولى أولى بالقدم من سائر العالم من الأجسام والأعراض والجواهر ؟ فإن قالوا : إنما وجب القول بقدمه ؛ لأنا لم نر شيئا يخلق من غير شئ ، كل شئ يخلق من شئ آخر ، لما لم نشاهد خلق شئ من غير شئ قضينا على العالم أنه لم يخلق من غير شئ ، بل خلق من شئ ، فاضطررنا إلى القول بالهيولى ، فتكون الأشياء مخلوقة منه ، والهيولى عند الفلاسفة للعالم كالقطن للثوب . ثم يقول : إن خلق الشيء من الشئ تغيير ذلك الشئ ، وهو تبديل الأوصاف بأن يجعل المفترق مجتمعا والمجتمع مفترقا ، والنار كرسيّا ، والشعر لبدا ، أو إخراج الشئ من الشئ أو إيجاد الشئ من الشئ ، والتغير مستحيل في الهيولى ؛ لأن تغيير الشئ الواحد مستحيل ، ولأن التغيير إلى أن يصير الواحد أشياء مستحيل ، وكذلك إخراج الشيء منه مستحيل ، وإيجاد الشئ من الشئ مستحيل ، فدل أن خلق الشئ من الشئ إيجاد ذلك الشئ حقيقة . فإن قالوا : العالم متناه أو غير متناه ؟ فنقول : العالم مخلوق ، وكل مخلوق متناه ، فالعالم يكون متناهيا لا محالة . فإن قالوا : لما كان العالم متناهيا ، ففي أي موضع هو ، فإن الجسم يحتاج إلى مكان ، والعالم أجسام ؟ فنقول : العالم أجسام في غير مكان ؛ لأن المكان من جملة العالم ، فإن المكان إما أن يكون هواء أو جسما لطيفا غير الهواء أو كثيفا ، والهواء من جملة العالم ، وهو جسم لطيف ، وكذا سائر الأجسام اللطيفة . . . » . هذا ، ولقد نظر الماديون في كيفية تكون العالم نظرة قاصرة ولم تسع عقولهم ما وراء المحسوس فقالوا : إن العالم يصدر بعضه عن بعض بواسطة الطبيعة إلى غير ذلك مما أسرفوا فيه القول وفيما يلي نذكر شبههم ونكر عليها بالإبطال . الشبهة الأولى : قالوا : لو كانت الأجسام محدثة لكان محدثها قبل أن يحدثها فاعلا لتركها ، وتركها لا يخلو من أن يكون جسما أو عرضا وهذا يوجب أن الأجسام والأعراض موجودة في الأزل فتكون قديمة والجواب على هذه الشبهة : قولكم كان ترك الفعل لا يخلو من أن يكون جسما أو عرضا . . . إلى آخر ما ذكرتم تقسيم فاسد ظاهر البطلان . وذلك لأن الجسم ذو أبعاد ثلاثة الطول والعرض والعمق وترك الفعل لا يوصف بطول ولا عرض ولا عمق ؛ فترك الفعل من الله تعالى للجسم والعرض ليس جسما والعرض هو الوصف الملازم للجسم وترك الفعل من الله للجسم والعرض ليس وصفا بشيء فلا يكون عرضا ؛ فترك الفعل من الله تعالى للجسم والعرض ليس جسما ولا عرضا وإنما هو عدم محض والعدم المحض ليس بشيء وترك الفعل من الله تعالى ليس فعلا البتة بخلاف صفة خلقه لأن ترك الفعل من المخلوق فعل ، برهان ذلك : أن ترك الفعل من المخلوق لا يكون إلا بفعل آخر كتارك الحركة لا يكون إلا بفعل السكون وكتارك القيام لا يكون إلا بفعل آخر كفعل الجلوس أو النوم أو غير ذلك . ويظهر أن الذي سهل عليهم هذا القول هو قياس الغائب على الشاهد فإنهم لما رأوا أن عدم -