أبي منصور الماتريدي
475
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - والنحل » . ثانيا - الأدلة النقلية : فمن القرآن قوله تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الزمر : 62 ] . ومن السنة ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عمران بن حصين - رضي الله عنهما - قال : دخلت على النبي صلى اللّه عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب ، فأتاه ناس من بنى تميم ، فقال : اقبلوا البشرى يا بنى تميم . قالوا : قد بشرتنا فأعطنا ( مرتين ) ، ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن ، فقال : اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إن لم يقبل بنو تميم . قالوا : قد قبلنا يا رسول الله . قالوا : جئنا نسألك عن هذا الأمر . قال : كان الله ولم يكن شيء غيره ، وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شئ ، وخلق السماوات والأرض ، فنادى مناد : ذهبت ناقتك يا بن الحصين ، فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب ، فوالله لوددت أنى كنت تركتها » . والدليل على خلق الله السماوات والأرض ، وما بينهما لا يعد ولا يحصى من الآيات والأحاديث ، وقد اعترض بعض المفكرين القدماء والمحدثين على أن بحث المتكلمين في العالم لبيان حدوثه وخلقه ، بحث لا يرجع إلى القرآن الكريم ؛ معتمدين أن لفظ « القدم » أو « الحدوث » هو نفسه مردود إلى مصدر فلسفي أجنبي ، وهذا غير صحيح . وقد كانت أول الحقائق التي ذكرها القرآن الكريم أن العالم حادث مخلوق من لا شئ ، وإذا كان العالم محدثا ، فلا بد له من خالق ، وهو الله تعالى ، خلق كل شئ ، فهو المصور والمبدع . ولقد أشار القرآن الكريم إلى قدرته تعالى المطلقة على الخلق ، وأنه تعالى خلق الخلق بعلمه ، وصورهم ، ورزقهم ، ولم يكن معه معين ولا نصير : قال تعالى : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 117 ] . وقال تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ آل عمران : 6 ] . وقال تعالى : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الأنعام : 101 ] . وقال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [ فاطر : 3 ] . شبهات وردود : ولا يسلم الأمر لأهل السنة والجماعة قولهم بإثبات حدوث العالم ، فقد أبى الله تعالى إلا أن يجعل للباطل نصيبا يقوم عليه أهله ، وذلك لحكمة يعلمها الله تعالى ، ولعل منها بيان معرفة الحق من الباطل ، والتمييز بين الفريقين ؛ ليحيا من حيى عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة . ولكن أدلة القائلين بقدم العالم - على كثرتهم - أدلة واهية لا تقوى على الرد والتفنيد . قال الغزالي في التهافت : « لو ذهبت أصف ما نقل عنهم في معرض الأدلة ، وذكر في الاعتراض عليه ، لسودت في هذه المسألة أوراقا ، ولكن لا خير في التطويل ، فلنحذف من أدلتهم ما يجرى مجرى التحكم أو التخيل الضعيف الذي يهون على كل ناظر حله » . ثم ساق أقوى أدلتهم ، ثم عرج عليها تفنيدا وردّا ، والمقام ليس مقام بسط ، وتفصيله في تهافت الفلاسفة . ونذكر هنا بعض الشبه التي ذكرها البزدوى في أصول الدين ، ورده عليها ، يقول : « إنهم يقولون : إنا نقول بقدم الهيولى لا غير لا بقدم كل العالم ، والهيولى شيء واحد لا يتصور افتراقه ، ولا -