أبي منصور الماتريدي
474
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - ذلك تفصيل ، وهي إما أدلة عقلية أو نقلية : أولا - الأدلة العقلية : وإنما قدمت الأدلة العقلية ؛ لأن الفلاسفة يعتبرون بها ، ويعولون عليها ، فوجب أن نثبته من مادة أدلتهم : اعلم - وفقك الله - أن الأدلة العقلية على حدوث العالم كثيرة جدّا ؛ لأن الآفاق والأنفس مملوءة بدلائل حدوثه ، فإن ادعى أحد قدم العالم ، فلا يدعى قدم نفسه بل ادعى حدوثه بحدوث زماني بالضرورة ؛ لأنه تولد من أبويه بعد ما لم يكن في سنة كذا مع أن ذلك المدعى جزء من أجزاء العالم ، وما يكون جزؤه حادثا يكون كله حادثا . ولو كان العالم قديما لكان باقيا على حاله ، فلا وجود للآخرة ، وذلك كله باطل ، فقدم العالم باطل ، فثبت حدوثه ، ولأن القديم لا يكون محلا للحوادث مع أن العالم محل للحوادث بداهة ، فالعالم بجميع أجزائه حادث ؛ لأن العالم إما أعيان ، وإما أعراض ، وكل منهما حادث ، ودليل ذلك الأخير على تفصيل : دليل حدوث الأعراض : « أما حدوث الأعراض ؛ فلأن بعضها حادث بالمشاهدة كالحركة بعد السكون ، والسكون بعد الحركة مثلا في بعض الأجرام ، وبعضها ، وهو ما لم يشاهد حدوثه كسكون بعض الأجرام الثابتة حادثة بالدليل ، وهو أنه يجوز طرآن العدم عليه بوجود ضده ؛ لأن الأجرام كلها متساوية فيجوز على كل منهما ما يجوز على الآخر ، وكل ما يجوز عليه العدم يكون قديما ؛ لأن القديم إذا كان واجبا لذاته لم يجز أن يكون صادرا بالاختيار للزوم الحدوث له حينئذ ، فتعين أن يكون صادرا بطريق التعليل من واجب لذاته ، فيلزم استمرار وجوده ما دامت علته موجودة ، فلا يجوز عليه العدم . دليل حدوث الجواهر : وأما حدوث الجواهر ؛ فلأنها ملازمة للأعراض الحادثة ؛ لأن من الأعراض الحركة والسكون ، فلو كانت غير ملازمة لأحدهما لارتفعت الحركة والسكون ، وهما ضدان مساويان للنقيضين ، وارتفاع النقيضين أو ما ساواهما باطل ، وملازم الحادث حادث ؛ لأنه لو لم يكن حادثا للزم إما قدم الحادث اللازم له ، وإما انفكاك التلازم بينهما ، وهما باطلان ، فالجواهر حادثة . قال البزدوى في أصول الدين : « ثم الدليل على حدوث جميع العالم أنا نشاهد حدوث بعضها ، فإن الثمار كلها تحدث ، وكذلك الحيوانات ، وكذا النبات ، وكذا الألوان ، هذه الأشياء تحدث ، فإذا كان بعضها يحدث يعلم به حدوث ما سواهما إذ كلها أجسام وأعراض وجواهر ، فإن الشئ دال على شكله ، فإن بعض النبات إذا رأيناه يفسد ، قضينا في شكله بالفساد ؛ ولأن الأجسام لا تخلو عن الأعراض ، فإنها لا تخلو عن الافتراق ، والاجتماع ، والسكون ، والحركة ، والثقل والخفة . . . قال : فلو كانت الأعراض قديمة لما تصور بطلانها ؛ لأن القديم واجب الوجود ، فلا يتصور عليه البطلان والعدم ؛ لأنه لو جاز عدمه في المستقبل من الزمان جاز عدمه في الماضي من الزمان ، فلا يتصور العدم هذا كما يجب أن الاثنين إذا ضم إلى واحد يكون ثلاثة ، وإذا كان هذا واجبا لا يتصور أن يوجد زمان يضم الاثنين إلى الواحد ، ولا يكون ثلاثة ، فدل أن الأعراض حادثة . قال الرازي في المطالب العالية : « الحجة الأولى : وهي الحجة القديمة للمتكلمين أن قالوا : الجسم لا يخلو عن الحوادث ، وما لا يخلو عن الحوادث ، فهو حادث ، فالجسم حادث » . والحجة الثانية : أن تقول : الأجسام قابلة للحوادث ، وكل ما كان قابلا للحوادث ، فإنه لا يخلو عن الحوادث ، وكل ما لا يخلو عن الحوادث ، فهو حادث ، ينتج أن الأجسام حادثة . . . » . وقد ساق حججا كثيرة ، فلتطالع هناك لمن شاء التفصيل . ولأبى محمد بن حزم براهين كثيرة في إثبات العالم ضمنها كتابه « الفصل في الملل والأهواء -