أبي منصور الماتريدي
462
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الحلال والحرام فهو فرقان . وقيل « 1 » : يسمى فرقانا ؛ لما فرق فيه بين الحق والباطل . وهما واحد . وقيل : سميت التوراة فرقانا ؛ لما فيها المخرج من الشبهات . وقيل : الآية على الإضمار ؛ كأنه قال : وإذ آتينا موسى الكتاب - يعنى التوراة - ومحمدا الفرقان ؛ كقوله : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ [ الفرقان : 1 ] . وقوله : لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . فالكلام فيه كالكلام في قوله : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وقد ذكرنا فيه ما أمكن ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 54 إلى 59 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 ) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 ) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 ) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 59 ) وقوله عزّ وجل : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ . وقيل « 2 » : ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلها . وقوله عزّ وجل : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ . قيل : ارجعوا عن عبادة العجل إلى عبادة ربكم . وقيل : ارجعوا عن اتخاذ العجل إلها إلى اتخاذ خالقكم إلها . وقوله عزّ وجل : فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . قال الفقيه أبو منصور - رحمه الله - : لولا اجتماع أهل التأويل والتفسير على صرف ما أمر الله - جل وعزّ - إياهم بقتل أنفسهم على حقيقته ، وإلا لم نكن نصرف الأمر بقتل أنفسهم على حقيقة القتل ؛ وذلك لأن الأمر بالقتل كان بعد التوبة ، ورجوعهم إلى عبادة الله ، والطاعة له ، والخضوع .
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير عن أبي العالية ( 929 ) ومجاهد ( 930 ، 931 ، 932 ) وانظر الدر المنثور ( 1 / 135 ) . ( 2 ) قاله البغوي في تفسيره ( 1 / 73 ) .