أبي منصور الماتريدي
460
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - وبقاؤه سليم الحواس وتعريضه لأعلى المنزلتين من النعيم المقيم ؛ وأما الكافر فمن نفسه وعمله بقدرته بناء على مذهبهم من أن العبد يخلق أفعال نفسه ، وعلى ذلك لا يلزمون بالكافر لأن الله فعل به الأصلح من خلقه وبقائه سليم الحواس وتعريضه للنعيم ، غير أنهم يلزمون بمن مات صغيرا أو جن بعد البلوغ ؛ لأن ذلك ليس أصلح له ، فكان يجب على الله عدم فعله على مذهبهم ، وهذا المذهب أيضا منقول عنهم . أدلة المعتزلة : استدل المعتزلة بأنه لو جاز لله تعالى أن يترك الأصلح للعبد ، لترتب على هذا أن يجوز على الله - تعالى - بعض صفات النقص كالجهل والبخل والسفه والعبث ، وهذه الصفات محالة في حق الله - تعالى - فهو متصف بكل كمال ومنزه عن كل نقص ، فيستحيل بالتالي ما أدى إليها من جواز ترك الأصلح ، ووجهوا استدلالهم هذا بأن ترك الأصلح إن كان لعدم القدرة عليه لزم العجز ، وأما إن كان قادرا عليه ولكن تركه لعدم العلم به لزم الجهل ، وإن كان تركه مع العلم به والقدرة عليه ولكن تركه شحّا لزم البخل ، وإن كان ترك الأصلح لغير ما ذكر ولكن لغرض فاسد لزم السفه ، وإن كان تركه لا لغرض أصلا لزم العبث . وقد أجيب عن هذا الاستدلال بأن جواز ترك الأصلح لا يترتب عليه شئ من تلك الصفات التي أوردتموها من العجز والجهل والبخل والسفه والعبث ؛ لأن الله عزّ وجل إذا ترك الأصلح للعبد يكون قد منع ما هو حق وملك له ؛ ولذا قيل في مثل هذا المقام : ( إن منعك ما هو لك فقد ظلمك وإن منعك ما هو له فما ظلمك ) . والخلاصة : أنه قد ثبت بالأدلة القاطعة كرم الله تعالى وحكمته ولطفه وعلمه بالعواقب ، وأن الله وإن جاز في حقه ترك الأصلح للعبد فلا يتركه إلا لحكمة تقتضى ذلك الترك ؛ لأن من كان كريما حكيما عليما بالعواقب لا يفعل الشئ ولا يتركه إلا لحكمة يعلمها هو وإن خفيت علينا وعلى ذلك يجوز أن يترك الأصلح في حق العبد مراعاة لحكمة يعلمها وإن خفيت على هذا العبد ولا يكون في ذلك ظلم له لأنه لا حق له على الله تعالى . ثم إن الزمخشري قال في قوله تعالى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ [ المائدة : 118 ] فليس ذلك بخارج عن حكمتك ، فيفهم من كلامه أنه يجوز ترك الأصلح الذي هو التعذيب إلى غير الأصلح الذي هو المغفرة ؛ لأن الترك ليس بخارج عن الحكمة . وقد أجيب عن كلام الزمخشري هذا بأربعة أجوبة : أحدها : أن كلامه لا يفهم منه هذا الفهم المذكور ، بل يحتمل أن يكون التعذيب واجبا لا أصلح ، ووجوبه بالنسبة إلى استيجاب كفرهم إياه بناء عليه تكون المغفرة غير واجبة ، ويجوز عندهم ترك الواجب إلى غير الواجب لحكمة . والفرق بين الواجب والأصلح - على هذا الجواب - أن الواجب حق الله فقط ، والأصلح حق العبد وعلى ذلك يكون كلام الزمخشري معناه إن تعذبهم وتفعل الواجب بهم فإنهم عبادك وإن تترك هذا الواجب إلى غيره من المغفرة التي هي غير واجب فذلك ليس بخارج عن حكمتك ، فيكون ذلك من باب ترك الواجب إلى غير الواجب لا من باب ترك الأصلح إلى غيره . ثانيا : وأجيب بأنه لو سلمنا أن التعذيب أصلح ، فإننا لا نسلم بأن المغفرة غير أصلح ، بل هي أصلح آخر على فرض وقوعها ، وبناء عليه يكون المعنى : إن تفعل التعذيب الذي هو أصلح فهم عبادك ، وإن تترك هذا الأصلح إلى المغفرة التي هي أصلح أيضا فذلك ليس بخارج عن حكمتك ، ولا يلزم من ذلك أن تكون المغفرة أصلح في ذاتها ، بل كونها أصلح مبنى على فرض وقوعها الذي هو محال ، وعلى هذا تكون المسألة من باب ترك الأصلح إلى أصلح آخر على فرض وقوعه . -