أبي منصور الماتريدي
437
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يجعل فعلهم جبرا - ومن فعله جبر لا ترتفع درجته ولا يعلو قدره ، ثم يجعل الفضل لهم بالخلقة ، فكيف كان يطمع في ذلك ولم يكن هو بخلقتهم . ولهذا أنكر أن يكون منهم عصيان ؛ إذ خلقوا من نور ، ومن لا يعصى بالخلقة ، فإنه لا يحمد . ولو كان يجب الحمد به لوجب في كل موات ، وكل حيوان لا يعصى بالخلقة ، وذلك بعيد . وجائز أن يكون آدم - عليه السلام - طمع أن يكونا ملكين ؛ بأن يجعل على ما عليه صنيعهم من العصمة ، أو الاكتفاء بذكر الله وطاعته عن جميع الشهوات . والله قادر على أن يجعل البشر على ذلك ، وذلك على ما يوجد فيهم من معصوم ومخذول ، ليعلم أن الخلقة لا توجب شيئا مما ذكر ، ولا قوة إلا بالله . ثم الأصل أن معرفة موت البشر وما عنه خلق كل شئ إنما هو سمعي ، ليس هو حسى ، ولا في الجوهر دليل الفناء ، ولله أن يميت من شاء ويبقى من شاء . فقول الحسن - إنّه علم ذلك ثبت بثبات الخبر عن الله - ينتهى إليه أنه كان بلغه في ذلك [ الوقت ] « 1 » . وكذلك أمر الملائكة ، وحال الإغذاء « 2 » ، ومحبة الذّكر ، وظهور العصمة تعرف بالمحبة والمشاهدة بمنها ، ولا قوة إلا بالله . ثم ذكر الحسن في خلال ذلك : أن آدم - عليه السلام - قد علم أن الملائكة لا يموتون . لا أدرى ما هذا ؟ أهو عقد اعتقد ، أو جرى على لسانه ؟ لأن مثله لا يعلم إلا بما لا يرتاب في ذلك أنه جاء عن الله ، ولا قوة إلا بالله . وقوله : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها . أي : دعاهما وزيّن لهما ، أي : سبب الزّلة والإخراج منها ، لا أن تولى هو إخراجهما وإزلالهما . وقد ذكرنا أنه قد تسمّى الأشياء باسم أسبابها ، والأسباب باسم الأشياء . وذلك ظاهر معروف في اللغة ، غير ممتنع تسمية الشئ باسم سببه ، والله أعلم . وقوله : فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ للّه [ البقرة : 36 ] .
--> ( 1 ) سقط في ط . ( 2 ) في أ : الأضداد .