أبي منصور الماتريدي
434
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وإن كان الله تعالى يوفق على قدر الجهد ، ويعصم على قدر الرغبة إليه والاعتصام به ، ولا قوة إلا بالله . وليس بنا حاجة إلى ذكر حكمة الزّلة ، إذا كانت نفسه مجبولة على حبه ، باعثة إلى مثله لولا نعمة الرب . كما قال يوسف - عليه السلام - : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي . . . الآية [ يوسف : 53 ] . وقال : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها [ الأنعام : 164 ] . ثم اختلف في ماهية الشجرة : قيل « 1 » : بأنها شجرة العنب ، وجعل للشيطان فيها نصيبا بما بلى به أبو البشر وأمهم . وقيل « 2 » : الحنطة فيها جعل غذاء ولده ؛ ليبدل بالراحة الكد ، وبالنعمة البؤس . وقيل « 3 » : شجرة العلم ، إذ بدت لهما سوآتهما فعلما بذلك ما لم يسبق لهما في ذلك ، وفزعا إلى ما يستران به من الورق « 4 » . فالأصل أن هذا نوع ما يعلم بالخبر من عند عالم الغيب ، وليس بنا إلى تعرف حقيقته حاجة ، وإنما علينا معرفة قدر المعصية ؛ فنعتصم بالله عنها ، والطاعة ؛ فنرغب فيها ، وبالله العصمة . والأصل فيه أن الله تعالى فرق بين دار المحنة ودار الجزاء ؛ إذ الجمع بينهما يزيل البلوى ، ويكشف الغطاء ؛ فجعل اللذيذ الذي لا راحة فيه ، والمؤلم الذي لا تنغيص فيه - جزاء ، والتردد بينهما محنة ، ولا قوة إلا بالله . وقوله تعالى : فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ . أي : تصيران منهم . وكذلك القول في إبليس : وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أي : صار منهم . ويحتمل : ممن يكونون كذلك ؛ إذ في علم الله أنهم يصيرون ممن في علم الله كذلك ، مع جواز القول بلا تحقيق آخر ؛ كقوله : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] ، لا أنّ ثمّ خالقا غيره .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) في أ : الرزق .