أبي منصور الماتريدي
422
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
سئلوا عن أمر لم يعلموا فوضوا ذلك إلى الله تعالى . ومعنى الإرجاء نوعان : أحدهما : محمود ؛ وهو إرجاء صاحب الكبائر ، ليحكم الله تعالى فيهم بما يشاء ، ولا ينزلهم نارا ولا جنة ؛ لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] . والإرجاء المذموم هو الجبر ، أن ترجأ الأفعال إلى الله تعالى ، لا يجعل للعبد فيه فعلا ، ولا تدبير شئ من ذلك . وعلى ذلك المروىّ ، حيث قال : « صنفان من أمتي لا ينالهم شفاعتي ؛ القدرية والمرجئة » « 1 » . والقدرية « 2 » : هي التي لم تر لله - في فعل الخلق - تدبيرا ، ولا له عليه قدرة التقدير . والمرجئة « 3 » : هي التي لم تر للعبد فيما ينسب إليه من الطاعة والمعصية فعلا البتة ؛ فأبطلت الشفاعة لهما ، وجعلت للمذهب الأوسط بينهما ، وهو الذي يحقق للعبد فعلا ، ولله تقديرا ، ومن العبد تحركا بخير أو شر ، ومن الله خلقه . وذلك على المعقول مما عليه طريق العدل والحق بين التفريط والتقصير .
--> - ثابت وتفقه به زفر والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم ، وحدث عنه وكيع ويزيد بن هارون وسعد بن الصلت وتوفى سنة خمسين ومائة وقيل سنة ثلاث وخمسين ومائة والأول أصح ، ينظر : طبقات الفقهاء للشيرازى ( ص 67 ) ، غاية النهاية ( 2 / 342 ) ، تاريخ بغداد ( 13 / 323 ) ، تاريخ الخميس ( 2 / 363 ) ، البداية والنهاية لابن كثير ( 10 / 107 ) ، تذكرة الحفاظ ( 1 / 151 ) ، النجوم الزاهرة ( 2 / 12 ) ، تاريخ الأدب العربي ( 3 / 235 ) ، وفيات الأعيان ( 5 / 48 ) . ( 1 ) أخرجه عبد بن حميد ( 579 ) والترمذي ( 4 / 25 ) كتاب الولاء والهبة ، باب ما جاء في القدرية ( 2149 ) وابن ماجة ( 1 / 86 ) في المقدمة ( 62 ) . وابن أبي عاصم ( 946 ) عن ابن عباس ، ولفظه : « صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي : المرجئة والقدرية » . ( 2 ) هم المغالون في إثبات القدرة للإنسان وأنه لا يحتاج إلى معونة إلهية في أعماله ، وهذا مذهب قريب من مذهب المعتزلة كما لا يخفى ، وزعيم هذا المذهب النظام من شيوخ المعتزلة ، وأول من قال بالقدر بهذا المعنى معبد الجهني وكان يجالس الحسن البصري وتبعه أهل البصرة فعذبه الحجاج وصلبه سنة 80 ه بأمر عبد الملك بن مروان . ينظر الفرق الإسلامية ص 57 . ( 3 ) المرجئة : اسم فرقة من كبار الفرق الإسلامية ؛ لقبوا به لأنهم يرجئون العمل عن النية ، أي : يؤخرونه في الرتبة عنها وعن الاعتقاد ، من : أرجأه ، أي : أخره ، ومنه : أَرْجِهْ وَأَخاهُ [ الأعراف : 111 ] أي : أمهله وأخره ؛ أو لأنهم يقولون لا يضر مع الإيمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة ، فهم يعطون الرجاء ، وعلى هذا ينبغي ألا يهمز لفظ « المرجية » ، وفرقهم خمس : اليونسية ، والعبيدية ، والغسّانية ، والثوبانية ، والثومنية . ينظر كشاف اصطلاحات الفنون ( 3 / 3 ) .