أبي منصور الماتريدي

416

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

رفع الأستار عن الأشياء ، وجلاء الأشياء به - ثم يحتاجون في اقتباس العلم إلى من هو من جوهر التراب والماء الذي هو أصل الستر والظلمة . فأراهم الله بذلك ليعلموا أن ليس طريق المعرفة ، والعلم بالأشياء الخلقة ، ولكن لطف الله وامتنانه ، ولا قوة إلا بالله . وقال قوم : كان منهم من استحق العتاب من طريق الخطر بالقلوب ، لا من طريق الزّلة - التي هي العصيان - ولكنهم يعاتبون على أمثال ذلك - وإن لم تبلغ بهم المعصية - لعلوّ شأنهم ، ولعظم قدرهم . كما قد عاتب الله نبيه صلى اللّه عليه وسلم في أشياء وإن لم يكن ذلك منه معصية ؛ كقوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ . . . الآية [ التوبة : 43 ] . وقوله : وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ [ النساء : 107 ] . وقوله : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ . . . الآية [ الأحزاب : 37 ] . ولم يكن إثم في ذلك ، وقال : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ . . . الآية [ أول سورة التحريم ] ؛ [ لأنه ] « 1 » من غير أن كان منه عصيان ؛ فمثل ذلك أمر الملائكة . ثم تكلموا في معنى ذلك : فمنهم من يقول : ظنوا أنهم أكرم الخلق على الله ، وأنه لا يفضّل أحدا عليهم . ومنهم من يقول : ظنوا أنهم أعلم من جميع من يخلق من جوهر النار أو التراب ؛ من حيث ذكرت من جوهرهم ، أو لعظم عبادتهم لله ، وعلمهم بأن في الجن والإنس عصاة ؛ فلهذا امتحنهم بالعلم ، ثم بالسجود ؛ لإظهار علو البشر وشرفه ، وعظم ما أكرموا به من العلم . ومنهم من [ يقول : ظنوا أنهم فضلوا بفعلهم : ] « 2 » نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ . وقوله : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً . قال قوم « 3 » : يريد به آدم عليه السلام ، يخلف الملائكة في الأرض ومن تقدمه من الجان . وذلك بعيد ؛ كأنهم قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ولم يكن آدم - عليه السلام - بالذي كان يفسد في الأرض ، ويسفك الدماء ، بل كان يسبح بحمده ويقدس له .

--> ( 1 ) سقط في ط . ( 2 ) في ط : قالوا : بقوله . ( 3 ) انظر : تفسير البغوي ( 1 / 60 ) .