أبي منصور الماتريدي

377

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والأصل في ذلك : أنه ختم على قلوبهم لما تركوا التأمل ، والتفكر في قلوبهم فلم يقع ، وعلى سمعهم لما لم يسمعوا قول الحق والعدل ، خلق الثقل عليه ، وخلق على أبصارهم الغطاء لما لم ينظروا في أنفسهم ، ولا في خلق الله ليعرفوا زوالها وفناءها وتغير الأحوال ؛ ليعلموا أن الذي خلق هذا دائم لا يزول أبدا . وقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . إخبار منهم أنهم قالوا ذلك بألسنتهم قولا ، وأظهروا خلاف ما في قلوبهم ؛ فأخبر عزّ وجل نبيّه عليه الصلاة والسلام : أنهم ليسوا بمؤمنين ، أي : بمصدقين بقلوبهم . وكذلك قوله : مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [ المائدة : 41 ] . وكذلك قوله : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ . . . الآية [ النساء : 65 ] . هذه الآيات كلها تنقض على الكراميّة « 1 » ؛ لأنهم يقولون : الإيمان قول باللسان دون التصديق « 2 » . فأخبر الله - عزّ وجل - عن جملة المنافقين أنهم ليسوا بمؤمنين لما لم يأتوا بالتصديق ، وهذا يدل على أن الإيمان تصديق بالقلب .

--> ( 1 ) الكرامية : فرقة من فرق الخوارج تنسب لابن كرام . ينظر : نشر الطوالع ص ( 390 ) . ( 2 ) التصديق يعنى الإذعان ، والإذعان معناه الاعتقاد الجازم المطابق للواقع . والإيمان شرعا : هو التصديق بما جاء به من عند الله والإقرار ، إلا أن الإقرار ركن يحتمل السقوط ، والتصديق لا يحتمله . وقد وقع خلاف بين العلماء في الإيمان الشرعي على ثمانية مذاهب : الأول : ذهب فريق من العلماء إلى أن الإيمان الشرعي هو التصديق بما جاء به الرسول من عند الله والإقرار باللسان فالإيمان الشرعي عند هذا الفريق مركب من جزءين : التصديق والإقرار باللسان وهذان الركنان - أو الجزءان - للإيمان ليسا على درجة واحدة من الثبات : فالتصديق لا يقبل السقوط ، بينما الإقرار باللسان ركن يحتمل السقوط في حالات معينة كما سيأتي . والتصديق يجب أن يكون بجميع ما جاء به الرسول من عند الله مما علم من الدين بالضرورة ، بناء على هذا لو صدق إنسان بوحدانية الله تعالى وصفاته وأنكر نبوة النبي صلى اللّه عليه وسلم أو غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لا يكون مؤمنا بحسب الشرع وإن كان مؤمنا بحسب اللغة ، وكذلك من صدق بالله واتخذ معه شريكا ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [ يوسف : 106 ] فالموجود عند هؤلاء هو الإيمان اللغوي لا الشرعي . ولا يشترط في التصديق بجميع ما جاء به النبي التفصيل بل يكفى الإجمال في الخروج عن عهدة التكليف بالإيمان ، ولا تنحط درجة هذا الإيمان الإجمالي عن درجة الإيمان التفصيلي في الخروج من عهدة الإيمان وإن كان التفصيلي أفضل من الإجمالي . أما الإقرار باللسان - وهو الركن الثاني للإيمان لدى هذا الفريق فإنه يحتمل السقوط إذ قد يسقط حالة الإكراه والخرس مثلا بخلاف التصديق فإنه لا يحتمل السقوط . وقد اعترض على هذا المذهب باعتراضين : -