أبي منصور الماتريدي
354
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم ليست هي في حق الصلاة فريضة ، وذلك نحو التسبيحات بما فيها من تنزيه الله . والتكبيرات بما فيها من تعظيمه فريضة لنفسها ؛ إذ ليس لأحد ألا ينزه ربه ، ولا يعظمه من غير أن يوجب ذلك فرضيتها في حق الصلاة ، وفي حق كل مجعولة هي فيه ، لا من طريق توضيح الفرضية من غير طريق الذي ذكرت . ثم ليست هي بفريضة في حق القراءة في الصلاة ؛ لوجوه : أحدها : أن فرضية القراءة عرفنا بقوله : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [ المزمل : 20 ] وفيها الدلالة من وجهين : أحدهما : أنه قد يكون غيرها أيسر . والثاني : أن فرضيّة القراءة في هذه الآية من حيث الامتنان بالتخفيف علينا والتيسير ، ولو لم يكن فريضة لم يكن علينا في التخفيف منّة إذا بالترك . ثم لا نخير في فاتحة القرآن ، والآية التي بها عرفنا الفرضية فيما تخير ما يختار من الأيسر ، ثبت أنها رجعت إلى غيرها ، وبالله التوفيق . والثاني : أن نبىّ الله أخبر عن الله : أنه جعل بها في حق الثناء ، وهو ما ذكر في خبر القسمة فصارت تقرأ بذلك الحق ، فلم يخلص لها حق القراءة ، بل ألحق بها حق الدعاء والثناء ، وليس ذلك من فرائض الصلاة ، وبالله التوفيق . والثالث : ما روى عن عبد الله بن مسعود « 1 » - رضي الله عنه - : « أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أحيا ليلة بقوله : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ [ المائدة : 118 ] الآية . وبه كان يقوم ، وبه كان يركع ، وبه يسجد ، وبه يقعد » « 2 » . فثبت أنه لا يتعين قراءتها في الصلاة مع ما أيّده الخبر الذي فيه
--> ( 1 ) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فأر بن مخزوم الهذلي أبو عبد الرحمن من أكابر الصحابة ومن أقربهم إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهو من السابقين للإسلام كان خادم النبي صلى اللّه عليه وسلم وصاحب سره ، كان له أصحاب سادة منهم علقمة والأسود ومسروق وعبيدة السلماني وأبو وائل وطارق بن شهاب وزر بن حبيش وأبو عمرو الشيباني وأبو الأحوص وزيد بن وهب وخلق سواهم ولى بيت المال بالكوفة ثم قدم المدينة في خلافة عثمان رضي الله عنه فتوفى بها سنة 32 ودفن بالبقيع . ينظر الإصابة ( 4 / 129 ) ت ( 4945 ) ، الاستيعاب ( 2 / 370 ) ت ( 1536 ) ، صفة الصفوة ( 1 / 154 ) ، طبقات الفقهاء للشيرازى ص ( 11 ) ، غاية النهاية ( 1 / 458 ) ، تاريخ الخميس ( 2 / 287 ) ، تاريخ الإسلام ( 2 / 100 ) ، الأعلام للزركلي ( 4 / 280 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 5 / 156 ، 170 ، 177 ) ، والنسائي ( 2 / 177 ) كتاب الافتتاح ، باب ترديد الآية ، وابن ماجة ( 2 / 479 - 480 ) كتاب إقامة الصلاة ، باب ما جاء في صلاة الليل ( 1350 ) وابن أبي شيبة وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر بنحوه كما في الدر المنثور ( 2 / 616 ) ، وفي إسناده مقال .