أبي منصور الماتريدي
329
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الأول : اهتمامه بالمضمون دون الشكل ، والمعنى دون اللفظ . والثاني : اهتمامه في تفسيره بالمسائل العقدية والفقهية ، وهو أمر مترتب على الأول . ثامنا : إعمال العقل والتفسير بالرأي : إن الماتريدي فضلا عن اعتماده على المصادر المذكورة سابقا ، أعمل عقله في الآيات وقال فيها برأيه ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ، وهو حين يعمل عقله يقلب الآية على وجوهها المختلفة تارة ، ويذكر فيها وجها واحدا تارة أخرى . فمن الأول - وهو كثير - : ما جاء في تفسيره قول الله تعالى : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ [ الأنفال : 37 ] حيث قال الماتريدي : قوله عزّ وجل : الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً هذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن يجعلهم دركات بعضها أسفل بعض ؛ كقوله تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ النساء : 145 ] . والثاني : يحتمل أن يجعل بعضهم على بعض مقرنين في الأصفاد . فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً قيل : يجمعه جميعا بعضهم على بعض » . ومن الثاني ما جاء في تفسيره لصدر الآية المذكورة لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ حيث قال : « جعل الله تعالى الخبيث مختلطا بالطيب في الدنيا في سمعهم وبصرهم ونطقهم وجميع جوارحهم ولباسهم وطعامهم وشرابهم وجميع منافعهم من الغنى والفقر وأنواع المنافع ، جعل بعضهم ببعض مختلطين في الدنيا . . . لكنه ميز بين الطيب والخبيث في الآخرة بأعلام ، يعرف بتلك العلامات الخبيث من الطيب ، من نحو ما ذكر في الطيب قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ . ويلفت النظر في تفسير الماتريدي بالرأي أنه يتوخى المعاني القريبة من ظاهر الآية ، فهو لا يوغل في التأويل كما يفعل المتصوفة في تفسيراتهم ولا يقف عند حدود ظاهر النص كما يفعل الظاهرية ، بل إن الماتريدي ينظر في الآيات نظرة فاحصة معتدلة ، ويتجه إلى المعاني التي تحتملها الآيات ولا تخرج بها عن المراد منها . القضية الثانية : طريقة الماتريدي في التفسير : نستطيع من خلال ما عرضناه من مصادر الماتريدي في التفسير ومن خلال تأمل التفسير الذي بين أيدينا أن نتلمس بعض الخطوط العامة لمنهج الماتريدي في التفسير .