أبي منصور الماتريدي
326
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ومن ذلك ما ذكره عند تفسير قول الله تعالى : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ الأنعام : 28 ] حيث قال : « تعلق بظاهر هذه الآية : الخوارج والمعتزلة . أما المعتزلة فإنهم قالوا : إنهم لما طلبوا الرد ولم يردهم لما علم أنه لو ردهم لعادوا إلى التكذيب ثانيا ، ولو علم منهم أنهم لا يعودون لكان يردهم ؛ فدل أنه إنما لم يردهم ؛ لما علمه منهم أنهم يعودون إلى ما كانوا من قبل ؛ فيستدلون بظاهر هذه الآية على أن الله لا يفعل بالعبيد إلا الأصلح لهم في الدين ، وقالوا : لو علم منهم الإيمان لكان لا يجوز له ألا يردهم ، ومن قولهم : إنه إذا علم من كافر أنه يؤمن في آخر عمره لم يجز له أن يميته ، وغير ذلك من المخاييل والأباطيل . وقالت الخوارج : أخبر أنه لو ردهم لعادوا لما نهوا عنه ، وسماهم بالقول كاذبين ، بما في علمه أنهم لا يفعلون بما يقولون ، فعلى ذلك كل صاحب كبيرة إذا كان في اعتقاده الذي أظهره أنه لا يأتي بها ، فإذا أتى بها يصير فيما اعتقده ألا يأتي بها كاذبا ؛ ولذلك يجعلون أصحاب الكبائر كذبة في القول الأول أنهم لا يأتون بها ، وعلى ذلك كانت المبايعة بقوله عزّ وجل : يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ [ الممتحنة : 12 ] الآية ، فإذا سرقن ، صرن كاذبات في البيعة ، كما جعل من ذكر كاذبا في الوعد إذا أخلف ، وعلى ذلك يجعلونه كافرا » . سادسا : علم الفقه : علمنا من ترجمة الماتريدي أنه تتلمذ بأبي حنيفة النعمان ، وإن لم يلقه ، فهو قد تتلمذ عليه من خلال مذهبه الفقهي المعروف ، فقد قرأ ما كتب أبو حنيفة وما كتب تلاميذه ونقلوه عنه . ولم يكن الماتريدي ناقلا تابعا للمذهب الحنفي وحسب ، بل كان مجددا ، فهو قد أخذ من المذهب الحنفي أسلوبه في التفكير العقلي ، واعتماده الرأي في التفسير والفقه والعقيدة ، لكن دون إهمال للنص أو افتئات عليه ، بل - كما سبق - وازن الماتريدي بين النقل والعقل موازنة جعلته من العلماء أصحاب الآراء الصائبة في كثير من الأحوال . ونكاد عند مطالعة تفسير الماتريدي لا نجد من أعلام الفقه من يذكر باسمه سوى أبي حنيفة النعمان ، ولعل هذا يؤكد الصلة الوثيقة التي أشرنا إليها منذ برهة بين الماتريدي وأبي حنيفة ، وتلمذة الأول على الثاني . والماتريدي حين تعرض له آية من آيات الأحكام لا ينسى أن يقف أمامها يستجلي