أبي منصور الماتريدي
324
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ومسألة الكسب مسألة كلامية ، وهي مسألة خلافية بين الأشعرية والماتريدية كما سبق بيانها . وقد اهتم الماتريدي في تفسيره هذا بدحض آراء المعتزلة وتفنيدها - اهتماما كبيرا ، والأمثلة على هذا كثيرة ومنتشرة على مدار التفسير ، فمن ذلك ما ذكره في تفسير قوله تعالى : حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [ الأنعام : 61 ] حيث قال : « إن الآية دلالة خلق أفعال العباد ؛ لأنه ذكر مجيء الموت وتوفي الرسل ، وقال : خلق الموت والحياة ، ومجيء الموت هو توفي الرسل ثم أخبر أنه خلق الموت دل على أنه خلق توفيهم ؛ فاحتال بعض المعتزلة في هذا ، وقال : إن الملك هو الذي ينزع الروح ويجمعه في موضع ، ثم إن الله يتلفه ويهلكه فلأن كان ما قال ، فإذن لا يموت بتوفي الرسل ؛ لأنهم إذا نزعوا وجمعوا في موضع تزداد حياة الموضع الذي جمعوا فيه ؛ لأنه اجتمع كل روح النفس في ذلك ، فإن لم يكن دل أن ذلك خيال ، والوجه فيه ما ذكرنا من الدلالة ، وهو ظاهر بحمد الله ، يعرفه كل عاقل يتأمل فيه ولم يعاند ، وبالله التوفيق » « 1 » . ويمكنني القول : إنه في مرآة تفسير الماتريدي انعكس اتجاهه العقدي والمذهبي ، فبرز واحدا من حماة المذهب السني الماتريدي ذائدا عن حصنه ، غيورا على شرف كلمته ، متصديا لأهل الأهواء والبدع ، منازلا المعتزلة والجهمية والخوارج والمرجئة والجبرية وغيرهم ، داحضا آراءهم في ضوء التنزيل الكريم ، ومن ثم كان رائدا لمن جاء بعده من العلماء الذين نقلوا عنه ، ويكفي أن نلقي نظرة على تفسير مثل تفسير النسفي ليتأكد لنا ذلك ، حتى لقد ذكر بعض الباحثين أن النسفي لم يصرح بمصدره الكلامي إلا فيما أخذه عن أبي منصور الماتريدي . وليتأكد لنا ذلك نعرض لمسألة الجبر والاختيار التي ناقشها الماتريدي عند تفسيره قول الله تعالى : فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] فقال : « قال الحسن : المشيئة - هاهنا - مشيئة القدرة ، وقال : لو شاء الله قهرهم وأعجزهم حتى لم يقدروا على معصية قط ، على ما جعل الملائكة - جبلهم - على الطاعة حتى لا يقدروا على معصية قط ، ثم يفضل الملائكة على الرسل والأنبياء والبشر جميعا ، ويقول : هم مجبورون على الطاعة ؛ فذلك تناقض في القول لا يجوز من كان مقهورا مجبورا على
--> ( 1 ) ينظر : محمود لطفي محمد جاد عبد العاطي : منهج الإمام النسفي في تفسير القرآن ومقارنته بمنهج الزمخشري والبيضاوي وأبي السعود ( رسالة دكتوراه ، كلية أصول الدين ، جامعة الأزهر ) ( ص 65 ) .