أبي منصور الماتريدي
316
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقد سبق أن بينا عند الحديث عن انتماء الماتريدي التفسيري اعتماده عليهما ، وبينا في إجمال سريع كيفية تعامله مع هذين المصدرين حينما يعتمد عليهما في تفسيره للقرآن الكريم ، وفي هذا الفصل سنفصل القول في هذين المصدرين وفي المصادر الأخرى التي أثرت تفسيره ، وأثّرت فيه ، وهي : أولا : تفسير القرآن بالقرآن : لا ريب أن أعظم ما يفسر به القرآن الكريم هو القرآن نفسه ، فقد أجمع العلماء على اعتباره المصدر الأول للتفسير ، وهو أجل أنواع التفسير وأشرفها ؛ إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جل جلاله من الله ، فصاحب البيت أدرى بما فيه ، فما أجمل في مكان فقد فسر في مكان آخر ، وما اختصر في مكان فقد بسط في مكان آخر ، فالأخذ بذلك هو مقتضى البدهية المقررة ، وفوق ذلك هو مقتضى المعلوم من الدين بالضرورة ؛ إذ القرآن الكريم هو الأصل الأول ، والعماد المتين لهذا الدين ، ولا يمكن تحقق الإيمان دون الأخذ بما فيه جملة وتفصيلا « 1 » . والحق أن الماتريدي اعتمد على القرآن الكريم في تفسيره - وقد أشرنا إلى طرف من ذلك عند حديثنا عن موقفه من التفسير بالمأثور - لكنه لم يكثر منه ، ولعل ذلك راجع إلى ميله إلى التفسير بالرأي . والطريقة الشائعة في استعانة الماتريدي بالقرآن أنه يحلل الآية ، ثم بعد ذلك نجده يأتي بآية أخرى دالة على ما يقول ، وهذا يؤكد ميله إلى القول في القرآن بالرأي ، لكنه الرأي المقيد بالنص . ومن النماذج الدالة على هذا ما جاء عند تفسيره قول الله تعالى : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ فقد قال : « وقوله : وَكَذلِكَ لا يتكلم به إلا على أمر سبق ، فهو - والله أعلم - يحتمل أن يقول : لما قالوا : يا محمد ، أرضيت بهؤلاء الأعبد من قومك ، أفنحن نكون تبعا لهؤلاء ، ونحن سادة القوم وأشرافهم ؟ ! فقال عند ذلك : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ، أي : كما فضلتكم على هؤلاء في أمر الدنيا ، فكذلك فضلتهم عليكم في أمر الدين ، ويكونون هم المقربين إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم والمدنين مجلسهم إليه ، وأنتم أتباعهم في أمر الدين ، وإن كانوا أتباعكم في أمر الدنيا ، وكذلك امتحان بعضهم ببعض .
--> ( 1 ) السيوطي : الإتقان في علوم القرآن ( مطبعة مصطفي البابي الحلبي ، الطبعة الرابعة ، 1978 م ) ( 2 / 225 ) .