أبي منصور الماتريدي

308

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ظاهرا ، لم يحتمل صرف ظاهر لم يجئ فيها إليها ويدفع به الخبر » ، والله أعلم . وأيضا ما جاء عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في غير خبر أنه قال : « إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون » « 1 » ، وسئل : هل رأيت ربك ، فقال : « بقلبي قلبي » « 2 » ، فلم ينكر على السائل السؤال ، وقد علم السائل أن رؤية القلب ، إذ هي علم قد علمه ، وأنه لم يسأل عن ذلك ، وقد حذر المؤمنين عن السؤال عن أشياء قد كفوا عنها بقوله : لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ [ المائدة : 101 ] فكيف يحتمل أن يكون السؤال عن مثله يجيء - وذلك كفر في الحقيقة عند قوم - ثم لا ينهاهم عن ذلك ، ولا يوبخهم في ذلك ، بل يليق القول في ذلك ، ويرى أن ذلك ليس ببديع ، والله الموفق » . ونلاحظ أن الماتريدي لا يكتفي بإيراد الحديث ، بل يحلله ويوجهه ، ويبين مراده ، وفي هذا إثراء لمعنى الآية وبيان المقصود منها . ونلاحظ - أيضا - أن الماتريدي يكتفي بجزء من الحديث الدال على ما يريده ؛ فمثلا عند تفسيره قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : 172 ] يستشهد بحديث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « كل مولود يولد على الفطرة » « 3 » فلا يذكر إلا هذا الجزء من الحديث ؛ وهو الجزء الدال على مراده . وهو لا يكتفي بإيراد السنة القولية عند تفسيره القرآن الكريم ، بل يأتي بالسنة الفعلية - أيضا - فعند تفسير قول الله تعالى : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [ الأعراف : 204 ] ذكر أحاديث تمثل السنة القولية ، وأحاديث تمثل السنة الفعلية ، وأحاديث تمثلهما معا ، فقال : « الثاني : يجوز أن يكون أمر بالاستماع إليه في الصلاة ، على ما قال بعض أهل التأويل أنه في الصلاة .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 9 / 575 ) كتاب التفسير باب ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ) ( 4851 ) ، ومسلم ( 1 / 439 ) كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب فضل صلاتي الصبح والعصر ( 211 / 633 ) من حديث جرير بن عبد الله . ( 2 ) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي عن بعض أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم كما في الدر المنثور ( 6 / 160 ) ولفظه : قال : لم أره بعيني ورأيته بفؤادي مرتين ثم تلا ( ثم دنا فتدلى . . . ) . ( 3 ) هو طرف من حديث عن أبي هريرة . أخرجه البخاري ( 8 / 372 ) كتاب التفسير باب سورة الروم ( 4775 ) ، وفي ( 11 / 502 ) كتاب القدر : باب الله أعلم بما كانوا عاملين ( 6599 ) ، وفي ( 3 / 290 ) كتاب الجنائز باب ما قيل في أولاد المشركين ( 1385 ) ، ومسلم ( 4 / 2047 ) كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ( 22 / 2658 ) .