أبي منصور الماتريدي

30

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ومنذ ذلك التاريخ غدت تولية الخلفاء وعزلهم منوطة بإرادة الأتراك ، فقد كانوا يعملون على تولية الخلافة من يطمئنون إليه من أمراء البيت العباسي ، وما أدق عبارة الفخري صاحب الآداب السلطانية في بيان هذه الحالة التي آل إليها أمر خلفاء بني العباس حيث قال : « كان الأتراك منذ قتل المتوكل قد استولوا على المملكة واستضعفوا الخلفاء ، فكان الخليفة في يدهم كالأسير إن شاءوا أبقوه وإن شاءوا خلعوه وإن شاءوا قتلوه » « 1 » . ونتج عن ضعف الخلافة العباسية استقلال أكثر الولايات الإسلامية في مشرق الدولة ومغربها ، فانفرد الطولونيون بحكم مصر ( 254 - 292 ه ) ثم الإخشيديون ( 323 - 358 ه ) وأخيرا الفاطميون ( 358 - 567 ه ) . أما في المشرق فقد قامت الدولة الطاهرية ( 205 - 259 ه ) في خراسان ، ومنهم انتقلت السلطة إلى أسرة جديدة هي الدولة الصفارية ( 254 - 290 ه ) التي قامت على يد يعقوب ابن الليث الصفار ، والدولة السامانية ( 266 - 389 ه ) التي تفرعت عنها الدولة الغزنوية ( 351 - 582 ه ) « 2 » . البويهيون : وإزاء استبداد الأتراك بشؤون الدولة تطلع الخلفاء العباسيون إلى قوة جديدة تقيل الخلافة من عثرتها وتستأصل شأفة الأتراك ، فوجدوا في دولة بني بويه الفتية ضالتهم ، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار . برز البويهيون إلى رحاب التاريخ الإسلامي في مطلع القرن الرابع الهجري وسرعان ما ترقوا في معارج القوة والنفوذ ، فدانت لعلي بن بويه بلاد فارس بالطاعة ( 323 ه ) وانتزع من الخليفة الراضي العباسي اعترافا بسلطانه . وتوجوا انتصاراتهم بدخول بغداد حاضرة الخلافة العباسية عام 334 ه في عهد أحمد ابن بويه ( 334 - 356 ه ) فقابله الخليفة المستكفي واحتفى به وخلع عليه ولقبه معز الدولة ، ولقب أخاه عليّا عماد الدولة ، ولقب أخاه الحسن ركن الدولة ، وضرب ألقابهم على السكة ، ولقب المستكفي إمام الحق وضرب ذلك على السكة « 3 » ، على أن البويهيين استأثروا بالسلطة دون الخلفاء كما صنع أسلافهم من الترك .

--> ( 1 ) ينظر : الكامل ( 7 / 57 ) وما بعدها ، تاريخ الخلفاء ( 358 ) ، وتاريخ الطبري ( 9 / 163 ) . ( 2 ) حسن إبراهيم حسن ، تاريخ الإسلام ( 3 / 64 ) . ( 3 ) السيوطي ، تاريخ الخلفاء ص 460 .