أبي منصور الماتريدي
282
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قال : صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق في التفسير ، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر » . وقال النسفي في عقائده : « النصوص على ظواهرها ، والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطل إلحاد » . وقال التفتازاني : « سميت الملاحدة باطنية ؛ لادعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها ، بل لها معان لا يعرفها إلا المعلم ، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية » . قال : « وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها ، ومع ذلك ففيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف لأرباب السلوك يمكن التوفيق بينها وبين الظواهر المرادة ، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان » « 1 » . ونص التفتازاني هذا واضح الدلالة في بيان الفرق بين التفسير الإشاري الذي لا ينكر متعاطيه ظواهر النصوص التي هي أدعى إلى فهم أسرار القرآن ، وبين تفسير الباطنية الملاحدة الذين يريدون هدم الشريعة . وينقل السيوطي عن ابن عطاء الله تحديدا للتفسير الإشاري ، فقال : « اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني الغريبة ليس إحالة للظاهر عن ظاهره ، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جاءت الآية له ودلت عليه في عرف اللسان ، ولهم أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه ، وقد جاء في الحديث « لكل آية ظهر وبطن » « 2 » . فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة : هذه إحالة لكلام الله وكلام رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، فليس ذلك بإحالة ، وإنما يكون إحالة لو قالوا : لا معنى للآية إلا هذا ، وهم لم يقولوا ذلك بل يقررون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها ، ويفهمون عن الله ما ألهمهم » « 3 » . وأقول : هذا كلام الإنصاف ، فقد وضع الحق في موضعه ، وجمع بين النصوص الظاهرة والمعاني الخفية الواردة التي تشرق على قلب المؤمن العارف بالله ، كما كان الحال مع الصديق وعمر ، ولا عجب فالله تعالى يعطي الحكمة من يشاء ، ويضع الفهم
--> ( 1 ) تنظر هذه النصوص في : الزرقاني : مناهل العرفان في علوم القرآن ( 2 / 78 ، 79 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) الإتقان في علوم القرآن ( 2 / 185 ) .