أبي منصور الماتريدي
269
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بالتوقيف والمنع من الرأي لا يصح . والرابع : أن هذا الفرض لا يمكن ؛ لأن النظر في القرآن من جهتين : من جهة الأمور الشرعية ، فقد يسلم القول بالتوقيف فيه وترك الرأي والنظر جدلا . ومن جهة المآخذ العربية ، وهذا لا يمكن فيه التوقيف ، وإلا لزم ذلك في السلف الأولين ، وهو باطل فاللازم عنه مثله . وأما الرأي غير الجاري على موافقة العربية أو الجاري على الأدلة الشرعية ، فهذا هو الرأي المذموم من غير إشكال ، كما كان مذموما في القياس - أيضا - لأنه تقول على الله بغير برهان ؛ فيرجع إلى الكذب على الله تعالى ، وفي هذا القسم جاء من التشديد في القول بالرأي في القرآن ما جاء ؛ كما روي عن ابن مسعود : ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم ، فعليكم بالعلم ، وإياكم التبدع ، وإياكم والتنطع وعليكم بالعتيق . وعن عمر بن الخطاب : إنما أخاف عليكم رجلين : رجل يتأول القرآن على غير تأويله ، ورجل ينافس الملك على أخيه . وعن عمر - أيضا - : ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه ، ولا من فاسق بين فسقه ، ولكني أخاف عليها رجلا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله « 1 » . وليس الأمر على ما ذهب إليه الدكتور الذهبي ومن وافقه ، فالخلاف على حقيقته ؛ ذلك أن ما ذكره القاسمي يتجه إلى قسمين متضادين من الرأي : قسم محمود ، وهو الجاري على موافقة كلام العرب وموافقة الكتاب والسنة ، وقسم مذموم وهو غير الجاري على موافقة كلام العربية وغير الجاري على الأدلة الشرعية . فهذا الرأي المذموم من غير إشكال ممنوع ومحرم . وإنما وقع الخلاف بين أهل العلم في النوع الأول المحمود . ويعضد هذا ما ساقه أحد الباحثين من أمور أربعة : أحدها : أن مسألة الرأي الفاسد المبني على الهوى والتشهي والفاقد لتحقق شرط الاجتهاد وتوفر ملكاته مما يعلم لكل أحد بالضرورة - ولو كان من أصاغر عوام المسلمين
--> ( 1 ) القاسمي : محاسن التأويل ، تصحيح وتعليق : محمد فؤاد عبد الباقي ( دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الثانية ( 1389 ه - 1978 م ) ( 1 / 164 ، 165 ) .