أبي منصور الماتريدي

23

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

عقبة قائد الحرة في عهد يزيد بن معاوية ، فقدم عثمان المدينة سنة 141 ه وخطب أهلها خطبة سداها ولحمتها التهديد والتخويف ، فكان مما قال فيها : « يا أهل المدينة أنا الأفعى ابن الأفعى عثمان بن حيان وابن عم مسلمة بن عقبة ، المبيد خضراءكم المفني رجالكم ، والله لأدعنها بلقعا لا ينبح فيها كلب » « 1 » . بيد أن أهل المدينة قد هوت أفئدتهم إلى محمد النفس الزكية ، وتدفقت نفوسهم حماسة لآل بيت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فلم يحفلوا بتهديد عثمان ، بل أغلظوا له القول وهموا بالفتك به . فكتب إليهم المنصور قائلا : « يا أهل المدينة ، فإن واليكم كتب إلي يذكر غشكم وخلافكم وسوء رأيكم واستمالتكم على بيعة أمير المؤمنين ، وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن لم تنتهوا ليبدلنكم بعد أمنكم خوفا ، وليقطعن البر والبحر عنكم ، وليبعثن عليكم رجالا غلاظ الأكباد بعاد الأرحام » « 2 » . ولم يزحزح كتاب المنصور أهل المدينة عن موقفهم ، بل لعله زادهم إصرارا على الانتصار للعلويين ، فقبض عامله على عبد الله بن الحسن أبي محمد النفس الزكية وإخوته وذوي قرباه . بيد أن عبد الله لم يكن بالرجل الذي تلين قناته ، بل كان يعتقد في أحقية ابنه بالخلافة دون المنصور والسفاح من قبله « 3 » . فطلب إلى ابنه أن يواصل مناجزة العباسيين ، وألا يحفل بما يعوقه في سبيل الحق من صعوبات . واشتد إيذاء المنصور لأشياع النفس الزكية ، وعظم البلاء النازل بهم حتى اضطروا محمدا إلى الخروج ، ولما تتهيأ الظروف بعد لخروجه وذلك في سنة 145 ه ، وقد شجعه على ذلك ظنه إجماع الناس على نصرته وشدة ميلهم إليه ، وتلك الفتوى التي أفتى بها الإمام مالك بن أنس ؛ حيث أفتى بجواز نقض بيعة المنصور حين قال لأهل المدينة : « إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين » « 4 » .

--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 7 / 517 ) ، ابن الأثير ( 5 / 513 ) . ( 2 ) ينظر حسن إبراهيم ( 2 / 126 ) نقلا عن تاريخ اليعقوبي ( 2 / 450 ) . ( 3 ) حسن إبراهيم حسن ( 2 / 127 ) . ( 4 ) هذا أثر مروي عن ابن عباس موقوفا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ( 5 / 48 ) من طريق هشيم عن عبد الله بن طلحة الخزاعي ، عن أبي يزيد المديني عن عكرمة عن ابن عباس . . . ورجاله ثقات وعلقه البخاري ( 9 / 343 - فتح ) في كتاب الطلاق وقال الحافظ في المصدر السابق وصله ابن أبي -