أبي منصور الماتريدي
223
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وكان ابن عباس يبين في تفسيره الكلمات المعربة عن لغات أخرى غير العربية ، مما يؤكد رئاسته للمنهج اللغوي ، حتى قيل عنه : « إنه هو الذي أبدع الطريقة اللغوية لتفسير القرآن الكريم » « 1 » . وإذا كان ابن عباس قد اهتم بالتفسير اللغوي ، فإنه - أيضا - ركز على عنصر الأخبار في تفسيره ، وبخاصة الأخبار التي لم ترد في حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم فكان يرجع إلى التاريخ العام ، وأخبار الأمم ، وبخاصة أهل الكتاب ، فكان - رضي الله عنه - يرجع إليهم ويأخذ عنهم « 2 » ، بحكم اتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل في كثير من المواضع التي أجملت في
--> ( 1 ) جولد تسيهر : المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن الكريم ، تعريب : علي حسن عبد القادر ( طبع دار العلوم 1944 م ) ص 69 ، وينظر : د . محمد إبراهيم شريف : بحوث في تفسير القرآن الكريم ص 60 . ( 2 ) اتهم ابن عباس باعتماده كثيرا على أهل الكتاب في تفسير القرآن ، فيقول جولد تسيهر المستشرق اليهودي المجري : « وكثيرا ما نجد من مصادر العلم المفضلة لدى ابن عباس اليهوديين اللذين اعتنقا الإسلام : كعب الأحبار وعبد الله بن سلام » ويقول أيضا : « وكثيرا ما يذكر أنه فيما يتعلق بتفسير القرآن ، كان - أي ابن عباس - يرجع إلى رجل يسمى أبا الجلد غيلان بن فروة الأزدي الذي أثنى الناس عليه بأنه كان يقرأ الكتب » . وتابع أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام جولد تسيهر فيما ذهب إليه من أخذ ابن عباس عن أهل الكتاب كثيرا . ولعل الذي دعاهما إلى اتهام ابن عباس هذا الاتهام إثارة الشبه من قبل جولد تسيهر حول تفسير ابن عباس ، وكثرة ما وضع على ابن عباس مما لم يفطن الأستاذ أحمد أمين إلى أنه ليس لابن عباس . وأقول : إذا كان ابن عباس قد لجأ إلى أهل الكتاب يستمد منهم التفسير القصصي للقرآن ، فإن موقفه منهم كان موقف الناقد البصير المعتز بدينه الذي ينخل ما ينقل إليه من أقوالهم ، ثم يعتمد الصحيح منها ، وقد ترخص الصحابة في السماع منهم حيث رأوا عمر يسمع من كعب الأحبار بعد إسلامه في خلافة عمر . ثم إنهم - أي الصحابة - جمعوا بين قوله عليه الصلاة والسلام : « حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج » وبين قوله : « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم » - بأن الأول محمول على ما وقع فيهم من الحوادث والأخبار ؛ لما فيه من العظة والاعتبار ، بدليل قوله بعد ذلك : « فإن فيهم أعاجيب » ، وأن الثاني محمول على ما إذا كان المخبر به من قبلهم محتملا ، ولم يقم دليل على صدقه أو كذبه . ثم كيف يستبيح ابن عباس لنفسه أن يحدث عن بني إسرائيل بمثل هذا التوسع الذي يجعله مخالفا لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان ابن عباس أشد نكيرا على من يفعلون ذلك ؛ فقد كان يقول : « يا معشر المسلمين ، تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه صلى اللّه عليه وسلم أحدث الأخبار بالله ، تقرءونه لم يشب ، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب ، فقالوا : هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا [ البقرة : 79 ] أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم ؟ ! ولا والله ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم » . ينظر : جولد تسيهر : مذاهب التفسير الإسلامي ص 65 - 67 ، وأحمد أمين : فجر الإسلام ( لجنة التأليف والترجمة والنشر ، 1935 م ) ص 248 ، ود . الذهبي : التفسير والمفسرون ( 1 / 72 - 74 ) ، ود . محمد إبراهيم شريف : بحوث في تفسير القرآن الكريم ص 71 - 73 .