أبي منصور الماتريدي

212

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يقول أحد الباحثين : « ولقد أعان بعض الصحابة على فهم القرآن عدة عوامل منها : معرفتهم بعادات العرب وتقاليدهم ، ومعرفة طرائق اللغة العربية وأسرارها في التعبير ، ثم معرفة أسباب النزول ، وما أحاط بالآيات من ظروف وملابسات تعين على فهمها ؛ ولهذا قالوا : معرفة سبب نزول الآية يعين على فهمها ، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب ، ثم ما يعطاه أحدهم من فهم وسعة إدراك يمكنه من الوصول إلى مراد الآيات » « 1 » . وقد روى البخاري ما يؤكد ذلك عن أبي جحيفة « 2 » قال : قلت لعلي - رضي الله عنه - : « هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله ؟ قال : لا ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن ، وما في هذه الصحيفة . قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، وألا يقتل مسلم بكافر » « 3 » . وفي هذا الأثر دليل على إعمال الصحابة رأيهم ، واجتهادهم في تفسير القرآن الكريم ، والكشف عن غوامضه ، لكن ينبغي التأكيد على أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا متفاوتين في معرفتهم بالأدوات المشار إليها ، وقد ترتب عليه تفاوتهم في فهم معاني القرآن . الثاني : أهل الكتاب من اليهود والنصارى « 4 » . بدأ الأخذ عن أهل الكتاب منذ عهد الصحابة مع شيء من التقييد والتحديد ، ولعل

--> ( 1 ) السابق ص ( 50 ) ، وينظر : السيوطي : الإتقان ( طبعة الحلبي ، القاهرة 1978 م ) ( 1 / 38 ) ، وابن تيمية : مقدمة في أصول التفسير ، تحقيق : عدنان زرزور ( طبعة الكويت 1971 م ) ص ( 47 ) . ( 2 ) انظر : تهذيب الكمال ( 3 / 1478 ) ، وتهذيب التهذيب ( 11 / 164 ) ( 281 ) وتقريب التهذيب ( 2 / 338 ) ، والكاشف ( 3 / 344 ) ، والتاريخ الكبير للبخاري ( 8 / 163 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 1 / 275 ) كتاب العلم باب كتابة العلم ( 111 ) وأطرافه في ( 1870 ، 3047 ، 3172 . . . ) ، والحميدي ( 40 ) ، وأحمد ( 1 / 79 ) ، والترمذي ( 3 / 80 ) كتاب الديات باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر ( 2658 ) ، والنسائي ( 8 / 23 ) كتاب القسامة باب سقوط القود من المسلم للكافر ، والشافعي ( 2 / 104 ) ، والطيالسي ( 91 ) ، وعبد الرزاق ( 18508 ) ، والطحاوي في شرح المعاني ( 2 / 192 ) ، والبزار ( 486 ) ، والبيهقي ( 8 / 28 ) . ( 4 ) جاء اليهود والنصارى إلى جزيرة العرب قبل ظهور الإسلام بمئات السنين ، فقد انتشرت المسيحية على نطاق واسع ، وبخاصة في أطراف الجزيرة ، كما غلب اليهود على أقاليم كاملة منها ، وهذا الوجود اليهودي والنصراني في شبه الجزيرة العربية كان له بالطبع أثر ثقافي على العرب فيما قبل الإسلام ، كما كان للعرب في الجاهلية رحلاتهم شرقا وغربا ، وسجل القرآن الكريم إحداها ، وهي رحلة قريش : شتاء إلى اليمن ، وصيفا إلى الشام . ولما جاء الإسلام كان من الطبيعي أن تكون هناك حوارات ومجادلات بين النبي - صلى الله عليه -