أبي منصور الماتريدي

210

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والمواقف الدالة على ذلك كثيرة ، منها ما أخرج أبو عبيدة من طريق مجاهد عن ابن عباس قال : « كنت لا أدري ما فاطر السماوات ؟ حتى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، يقول : أنا ابتدأتها » « 1 » . وروى عكرمة عن ابن عباس قال : « ما كنت أدري ما قوله تعالى : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ [ الأعراف : 89 ] حتى سمعت ابنة ذي يزن الحميري وهي تقول : أفاتحك ، تعني أقاضيك » « 2 » . وأظهر ما يدل على تفاوت فهم الصحابة للنصوص ما روي أن الصحابة فرحوا عند نزول قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [ المائدة : 3 ] ؛ حيث ظنوا أنها إخبار وبشرى بكمال الدين ، ولكن عمر بكى وقال : ما بعد الكمال إلا النقص ؛ مستشعرا نعي النبي صلى اللّه عليه وسلم « 3 » . وروى البخاري عن ابن عباس قال : « كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فكأن بعضهم وجد في نفسه ، وقال : لم يدخل هذا معنا وإن لنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه من أعلمكم ، فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم ، فما رأيت أنه دعاني فيهم إلا ليريهم ، فقال : ما تقولون في قوله تعالى : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [ النصر : 1 ] ؟ فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا ، وسكت بعضهم ولم يقل شيئا ، فقال لي : أكذلك تقول يا ابن عباس ؟ فقلت : لا ، فقال : وما تقول ؟ قلت : هو أجل رسول صلى اللّه عليه وسلم أعلمه الله له ، قال : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [ النصر : 1 ] فذلك علامة أجلك ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [ النصر : 3 ] ، فقال عمر : لا أعلم منها إلا ما تقول » « 4 » .

--> ( 1 ) أخرجه أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس كما في الدر المنثور للسيوطي ( 5 / 458 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في تفسيره ( 6 / 4 ) ( 14867 ) و ( 14869 ) ، وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء والبيهقي في الأسماء والصفات كما في الدر المنثور ( 3 / 191 ) . ( 3 ) أخرجه الطبري في تفسيره ( 4 / 419 ) ( 11087 ) ، وابن أبي شيبة عن عمر بنحوه كما في الدر المنثور ( 2 / 456 ) . وذكر له طريقا آخر عنه أخرجه إسحاق بن راهويه . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 9 / 760 ) كتاب التفسير باب قوله ( فسبح بحمد ربك واستغفره ) ( 4970 ) والطبري ( 12 / 730 ) ( 38237 ) و ( 38238 ) و ( 38239 ) ، وسعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم معا في الدلائل كما في الدر المنثور ( 6 / 698 ) .