أبي منصور الماتريدي

205

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ومن خلال عرض رأي الفريقين يتضح الآتي : أولا : مغالاة الفريقين فيما ذهبا إليه ، وأن المقبول هو أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قام بدور عظيم في تفسير كتاب الله ، لكنه لم يفسره كله بطبيعة الحال ؛ إذ لو قلنا بتفسير رسول الله صلى اللّه عليه وسلم القرآن كله لما كان هناك داع لدعوة القرآن إلى تدبر آيات الله فيه كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ ص : 29 ] ، ولما كان للتحذير الشديد والوعيد القاصم للذين لا يتدبرونه في قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ محمد : 23 ، 24 ] من قيمة . ثم إنه إذا كان الأمر كذلك فلا قيمة للتفسيرات التي وضعها العلماء من لدن الصحابة وحتى يوم الناس هذا ، وهي تفسيرات فيها من الجديد المعجب ما لا يمكن إنكاره ، أو الزعم بأنه غير صحيح . هذا بالإضافة إلى أننا لو قلنا بأن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فسر القرآن لفظه ومعناه لكذبناه صلى اللّه عليه وسلم فيما قال عن القرآن من أنه : « لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد » « 1 » ، ولكان اختلاف الصحابة حول القرآن بعد رسول الله اجتراء منهم على الله وحيفا عن هديه صلى الله عليه وسلم ، وحاشا أن يفعل الصحابة ذلك أو يقع منهم . كما أننا لو قلنا : إن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لم يفسر من معاني القرآن إلا القليل ، لهضمنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حقه في شخصه ودعوته ورسالته ؛ إذ إن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بين أصول الدين وأحكامه وشرائعه وأركانه المبثوثة في القرآن الكريم بصورة إجمالية أو كلية ، ففصل المجمل ، وأبان عن جزئيات الكلي ، فعرف الناس دينهم : أصوله وأركانه وشرائعه وجزئياته ، فلو قلنا : إنه صلى اللّه عليه وسلم لم يفسر إلا القليل ، فمن الذي بين لنا الدين « الإسلام » الذي جاء به القرآن ؟ ! كذلك لو قلنا بهذا لكذبنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « ألا وإني أوتيت القرآن ومثله

--> ( 1 ) هو طرف من حديث طويل . أخرجه أحمد ( 1 / 91 ) والترمذي ( 5 / 29 - 30 ) كتاب فضائل القرآن باب ما جاء في فضل القرآن ( 2906 ) والبزار في البحر الزخار ( 834 ) و ( 835 ) و ( 836 ) وأبو يعلى ( 367 ) ومحمد بن نصر في قيام الليل ( ص 123 ) من طريق حمزة الزيات عن أبي المختار الطائي عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث عن علي بن أبي طالب . . . فذكره مطولا قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات وإسناده مجهول وفي حديث الحارث مقال .