أبي منصور الماتريدي

175

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

المجاز وليس على الحقيقة ، وذلك لأنه لم يسمع قول فلان حقيقة ؛ ولم يسمع كلامه وإنما سمع صوتا يفهمه به . وبناء على ذلك فإن الماتريدية يقولون بأن موسى - عليه السلام - لم يسمع كلام الله ، وإنما سمع صوتا دالّا عليه ، ولقد خلق الله تعالى هذا الصوت ، وليس ذلك لأحد من خلقه . فالماتريدي يرى أن كلام الله القديم لا يسمع ، وأن ما نسمعه من الحروف والأصوات ليست هي كلام الله بذاتها ؛ وذلك لأنها عرض ، والعرض لا يبقى زمانين « 1 » . الأشاعرة : يقول الأشاعرة بأن الكلام إنما يراد به الصفة القديمة . يقول البيجوري في شرح الجوهرة عن الكلام : « إنه صفة أزلية قائمة بذاته ، ليست بصوت ولا حرف منزهة عن التقديم والتأخير ، ومنافية للسكوت والآفة » . ويقول أبو الحسن الأشعري : « إن كلامه واحد ، هو أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد ، وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه لا إلى عدد في نفس الكلام » « 2 » . ويجب أن يعرف أن الإمام أبا الحسن الأشعري لا ينكر الكلام اللفظي ، وإنما يثبت الكلام النفسي واللفظي ، ويتضح ذلك من قوله : « وأجمعوا على إثبات حياة لله عزّ وجل لم يزل بها حيّا ، وعلما لم يزل به عالما ، وقدرة لم يزل بها قادرا ، وكلاما لم يزل به متكلما ، وإرادة لم يزل بها مريدا ، وسمعا وبصرا لم يزل بهما سميعا بصيرا » « 3 » . ويتضح من عرض رأي كل من السادة الماتريدية والأشاعرة أن الماتريدية يتفقون مع الأشاعرة في إثبات صفة الكلام لله تعالى ، وأن الماتريدية يرون أن حقيقة الكلام لا تسمع في الشاهد ، وإنما تسمع على سبيل الموافقة والمجاز . ويظهر الخلاف بين الماتريدية والأشاعرة فيما سمعه موسى - عليه السلام - أن الماتريدية يذهبون إلى أن موسى - عليه السلام - لم يسمع كلام الله القديم وإنما سمع أصواتا دلت عليه ، وخص موسى بذلك ؛ لأنه بغير واسطة الكتاب والملك .

--> ( 1 ) انظر : شرح البيجوري للجوهرة ص ( 85 ) . ( 2 ) انظر : الملل والنحل للشهرستاني ( 1 / 87 ، 88 ) . ( 3 ) انظر : الاقتصاد في الاعتقاد ( ص 353 ) وما بعدها بتصرف . وانظر كذلك : الروضة البهية ( 196 ) وما بعدها .