أبي منصور الماتريدي
166
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قال بالموافاة ، وكل من وافى ربه على الإيمان فهو المؤمن ، ومن وافى بغير الإيمان الذي أظهره في الدنيا علم في عاقبته أنه لم يكن قط مؤمنا ، والواحد من هؤلاء يقول : أعلم أن إيماني حق وضده باطل ، وإن وافيت ربي عليه كنت مؤمنا حقّا ، فيستثني في صحة إيمانه « 1 » . وبذلك يظهر أن محل الخلاف هو أن الماتريدية لا يجيزون الاستثناء في الإيمان ، بينما الأشعرية يجيزون ذلك . المسألة الخامسة : إيمان المقلد وقع اختلاف بين السادة الماتريدية والسادة الأشاعرة في صحة إيمان المقلد ، وكذلك صحة تسميته مؤمنا ، وهل يكتفي بالتقليد في العقائد الدينية أم لا ؟ فالماتريدية : يذهبون إلى القول بصحة إيمان المقلد ؛ لأن مع هذا الإيمان تصديقا ، والتصديق هو أصل الإيمان ، وعند الماتريدية يصح الاكتفاء بالتقليد في العقائد الدينية ، إلا أن المقلد يعد عاصيا بتركه للنظر إذا كان قادرا على ذلك ؛ ولذلك قيل : إن النظر واجب وجوب الفروع ، وليس وجوب الأصول ، وإلا كان هذا المقلد كافرا . يقول أبو منصور الماتريدي : « ليس الشرط أن يعرف كل المسائل بالدليل العقلي ، ولكن إذا بنى اعتقاده على قول الرسول ، بعد معرفته بدلالة المعجزة أنه صادق فهذا القدر كاف لصحة إيمانه » « 2 » . أما الأشاعرة : فإنهم يقولون بأنه لا يكتفى بالتقليد في العقائد الدينية ، ولكن لا بد من الاعتقاد الجازم الناشئ عن دليل ؛ لأن الإيمان من المسائل الأصولية ، وهذه قليلة يمكن الإحاطة بها ، وتكفي فيها المعرفة على الإجمال ، ولا يشترط عندهم القدرة على التعبير عن ذلك ؛ لأننا مأمورون بأن نتبع الرسول صلى اللّه عليه وسلم والرسول - عليه السلام - مأمور بتحصيل العلم بتلك الأصول ، والتصديق لا يوجد بدون العلم والمعرفة ، والمقلد لا علم له حتى يحصل عنده التصديق ، فإن لم يحصل هذا التصديق عنده فلا يحصل الإيمان .
--> ( 1 ) انظر : أصول الدين للبغدادي ( ص 253 ) ، وانظر كذلك الروضة البهية ( ص 60 ) وما بعدها . ( 2 ) أبو منصور الماتريدي وآراؤه الكلامية ( ص 387 ) .