أبي منصور الماتريدي
150
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يستهجن البحث الكلامي كالحنابلة ، ولكنه استطاع أن يوفق بين الجانبين - كما فعل الماتريدي - واعتمد على النظر العقلي فوضع للفتن الدينية حدّا ، فقضى على مذهب المعتزلة وحل مكانه » « 1 » . منهج الأشعري : تبين لنا من نقد الأشعري للمعتزلة والحشوية أنه وقف على علة ضلالهما وفساد ما انتهوا إليه من آراء وتصورات في العقيدة ، وهذه العلة إنما هي الاقتصار على النقل وإهمال العقل ، أو تحكيم العقل وتقديمه على النقل ، أما المعتزلة فاستقلوا بالعقل في تأسيس مذهبهم الاعتقادي وظنوا أنه مرقاة إلى العقيدة السليمة ، فأداهم ذلك إلى آراء شاذة تنكرها النصوص الشرعية الثابتة ، من نفي الصفات والقول بخلق القرآن وإنكار الرؤية والشفاعة ، وفي سبيل ذلك أولو آيات القرآن الكريم وطعنوا في السنة الصحيحة والضعيفة جميعا . وأما الحشوية فالتزموا بالنقل التزاما حرفيّا ، ولم يجعلوا للعقل حظا من فهمه والاستدلال عليه بأدلته ، فزلت أقدامهم في القول بالتجسيم والتشبيه ، ورأوا كذلك أن النظر العقلي في أصول الدين بدعة ، حيث لم يؤثر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وصحبه - رضوان الله عليهم - فصنف الأشعري للرد عليهم رسالة : « استحسان الخوض في علم الكلام » بين فيها أن القرآن والسنة يشتملان على أصول النظر العقلي والاستدلال المنطقي على صحة العقيدة الإسلامية ، وذهب إلى أن تأييد الشرع بالعقل ليس بدعة وإنما هو واجب لا بد من أن ينهض بأدائه علماء المسلمين . اجتهد الأشعري - مستهديا بنقده للمعتزلة والحشوية - في تأسيس مذهب جديد يؤلّف في منهجه بين النقل والعقل ويوائم بينهما « فكان يفهم النص في ضوء العقل أو يسير وراء العقل في حدود الشرع ، ويجعل الشرع هاديا للعقل ؛ لأن العقل إذا ترك وشأنه اتبع هواه ، لكنه بالشرع يتبع هداه » « 2 » . وإذا كان الأشعري قد جمع في منهجه بين العقل والنقل ، فإنه قدم النقل على العقل ؛ لأن مبنى العقائد على الغيبيات وطريقها الوحي لا العقل ، ونص الأشعري صراحة في مقدمة كتابه « الإبانة عن أصول الديانة » على أنه يتمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ، كما نص على أن الإمام الذي يتبعه هو
--> ( 1 ) محمد حسن أحمد ، منهج الأشاعرة والماتريدية في علم الكلام ( ص 84 ، 85 ) . ( 2 ) د / عبد المقصود عبد الغني ، دراسات في علم الكلام ( ص 114 ) .