أبي منصور الماتريدي

145

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الذي يهدم أصلا من أصول المعتزلة وهو مبدأ الصلاح والأصلح « 1 » . ولا ريب أن هذه المناظرة - ولا نستبعد وقوع مناظرات أخرى غيرها - قد زعزعت إيمان الأشعري فيما يؤمن به من آراء اعتزالية ، وحملته على إعادة النظر فيها ، وامتحانها عليه يهتدي إلى وجه الحق ، فعكف في بيته مدة ينظر في كتب المعتزلة ، ويزن أدلتهم ، حتى اهتدى إلى فسادها وبطلانها ، فرقى المنبر يوم الجمعة بالمسجد الجامع بالبصرة وقال : « أيها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي ، أنا فلان بن فلان ، كنت أقول بخلق القرآن ، وأن الله تعالى لا يرى بالأبصار ، وأن أفعال الشر أنا أفعلها ، وأنا تائب مقلع متصد للرد على المعتزلة ، مخرج لفضائحهم ، معاشر الناس ، إنما تغيبت عنكم هذه المدة ؛ لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة ، ولم يترجح عندي شيء على شيء ، فاستهديت الله تعالى ، فهداني إلى اعتقاد ما أودعته كتبي هذه ، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقد ، كما انخلعت من ثوبي هذا ، ورمى ثوبا كان عليه » « 2 » . والحق أن إعلان الأشعري السابق بضلال المعتزلة عن المنهج القويم في أمور الاعتقاد قد تضمن إشارة إلى أبرز وجوه الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة ، وهي : القول بخلق القرآن ، ونفي الصفات ، وإنكار رؤية الله تعالى ، وحرية الإرادة الإنسانية والزعم أن الإنسان خالق أفعاله « 3 » . وذهب بعض الباحثين إلى أن العامل الحاسم في تحول أبي الحسن الأشعري عن مذهب الاعتزال إلى مذهب أهل السنة إنما هو مذهبه الفقهي الذي كان يتعبد به ، وهو المذهب الشافعي ، وأمر الخصومة بين الفقهاء - ومنهم الإمام الشافعي - والمتكلمين لا سيما المعتزلة أظهر من أن نحتاج إلى إقامة الأدلة عليه ، فلقد ذم الشافعي علم الكلام وكان يعني بذلك المعتزلة ، وهاجمهم في بعض كتبه ولم يقبل شهادتهم ، وللشافعي نفسه آراء في الاعتقاد تخالف ما ذهب إليه المعتزلة ، فهو يعتقد أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وأن الله يرى بالأبصار يوم القيامة ، ويقول بالشفاعة ، ويؤمن بالقدر خيره وشره . فلا غرو أن أحس الأشعري بتناقض كبير بين أصول مذهبه الفقهي ، وآراء مذهبه

--> ( 1 ) وفيات الأعيان لابن خلكان ( 3 / 284 - 286 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 3 / 356 ، 357 ) ، وانظر أيضا : دراسات في علم الكلام ، د / عبد المقصود عبد الغني ( ص 102 ) . ( 2 ) وفيات الأعيان ( 3 / 285 ) . ( 3 ) انظر : منهج الأشاعرة والماتريدية في علم الكلام ، محمد حسن أحمد ( ص 269 ) .