أبي منصور الماتريدي

143

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ثانيا : الأشاعرة اشتدت خصومة الفقهاء والمحدثين للمعتزلة ، واحتدم النزاع بين الفريقين في النظر إلى مسائل الاعتقاد ، ومرد ذلك إلى تباين المنهج الذي يصطنعه كل منهما ، فالفقهاء والمحدثون ينزعون منزعا سلفيّا يقدم النقل على العقل ، والمعتزلة يعتدون بالعقل اعتدادا جعلهم يؤولون ما يتعارض مع أدلته من آيات القرآن ، أو ينكرون ما يناقضها من أحاديث النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فخالفوا جمهور المسلمين في أمور كثيرة ؛ كالقول بخلق القرآن وإنكار الشفاعة ورؤية الله يوم القيامة وغير ذلك مما يصدم المشاعر الدينية للمسلمين . ولم تخل الساحة الفكرية للمعتزلة فحسب ، بل كان هناك الحشوية من الحنابلة ، وكانوا على الطرف المقابل للمعتزلة حيث أجازوا على الله الملامسة والمصافحة والرؤية ، كما أثبتوا له ما وصف به نفسه في القرآن الكريم - كأن له عينا أو يدا أو وجها - إثباتا ماديّا يوهم التجسيم والمشابهة للحوادث ، واعتمدوا في ذلك على أحاديث فهموها فهما حرفيّا وقاسوها على ما يتعارف من صفات الأجسام ؛ كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « خلق آدم على صورة الرحمن » « 1 » ، وقوله : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » « 2 » ، و « وضع يده على كتفي حتى وجدت برد أنامله » « 3 » . على هذا النحو مست حاجة المسلمين إلى منهج جديد تتحقق فيه الوسطية التي دعا إليها الإسلام ، فيسلك بالمسلمين السبيل الذي سلكه الصحابة قبلهم في شؤون الاعتقاد ، منهج ينزل العقل مكانه الصحيح فيعرف له حدوده وطاقته ، ولا يسرف في الاعتداد به ،

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 12 / 262 ) كتاب الاستئذان باب بدء السلام ( 6227 ) ، ومسلم ( 4 / 2183 ) كتاب الجنة وصفة نعيمها باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير ( 28 / 2841 ) ، وأحمد ( 2 / 315 ) عن أبي هريرة بلفظ : « خلق الله آدم على صورته . . . الحديث » . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 4 / 2045 ) كتاب القدر باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء ( 17 / 2654 ) وأحمد ( 2 / 168 ) والآجري ( ص / 316 ) وابن أبي عاصم في السنة برقم ( 222 ) عن عبد الله بن عمرو بلفظ « إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء . . . » الحديث . وأخرجه أحمد ( 6 / 294 ، 301 ، 315 ) وعبد بن حميد ( 1534 ) والترمذي ( 5 / 496 ) كتاب الدعوات ( 3522 ) وابن أبي عاصم في السنة ( 223 ) عن أم سلمة بلفظ « . . . يا أم سلمة إنه ليس لآدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ . . . » ( 3 ) أخرجه أحمد ( 5 / 243 ) ، والترمذي ( 5 / 285 - 286 ) كتاب التفسير باب ( ومن سورة ص ) ( 3235 ) ، وابن خزيمة في التوحيد ( ص / 218 ) ، والطبراني في الكبير ( 20 / 216 ) عن معاذ بن جبل مطولا .