أبي منصور الماتريدي
129
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
مناظرة الخصوم وإفحامهم » « 1 » . وينتظم حديثنا عن هذه الفرقة الكلامية عدة محاور : أولا : النشأة وسبب التسمية . ثانيا : مراكز الاعتزال وفرق المعتزلة . ثالثا : منهج المعتزلة في درس العقائد . رابعا : الأصول الخمسة التي قال بها المعتزلة . أولا : النشأة وسبب التسمية : تنسب هذه الفرقة - كما هو مقرر معلوم - إلى واصل بن عطاء ( 80 - 131 ه ) الذي كان تلميذا للحسن البصري أشهر علماء زمانه وأبرزهم . وثمة خلاف شجر بين الدارسين حول سبب تسمية هذه الفرقة للمعتزلة ، أثمر - أي هذا الخلاف - ثلاثة آراء متباينة لا بأس من ذكرها ، ثم نختار من بينها ما نراه صوابا . أما الرأي الأول : فيذكره الشهرستاني صاحب الملل والنحل ، حيث روى أن رجلا دخل على الحسن البصري فقال له : يا إمام الدين : لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر وهم الخوارج ، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر ، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان ؛ لأن العمل عندهم ليس ركنا من الإيمان ، فلا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، وهم مرجئة الأمة ، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا ؟ ففكر الحسن في هذه المسألة وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء - الذي كان حاضرا مجلس الحسن البصري - : أنا لا أقول : إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق ، ولا كافر مطلق ، بل هو في منزلة بين المنزلتين ، أي : لا مؤمن ولا كافر ، ثم قام واعتزل مجلس الحسن إلى مكان آخر من المسجد ، فلما رآه الحسن وبعض أصحابه قال : اعتزل عنا واصل ؛ فسمى هو وأصحابه معتزلة « 2 » . والرأي الثاني حكاه المسعودي في مروج الذهب حيث قال : سموا بذلك ؛ لأنهم قالوا باعتزال صاحب الكبيرة ، فيكون الاعتزال وصفا لمرتكب الكبيرة في الأصل ، وسميت به الفرقة ؛ لأنها جعلت مرتكب الكبيرة يعتزل المؤمنين والكافرين « 3 » .
--> ( 1 ) السابق ( ص 81 ) . ( 2 ) الملل والنحل ( 1 / 95 ) . ( 3 ) نصيب المعتزلة في تطوير علم الكلام ( ص 19 ) .