أبي منصور الماتريدي

123

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الفصل الثاني المذاهب الاعتقادية توطئة : امتاز الإسلام بعقيدته الواضحة الصافية ، التي تخاطب العقل والوجدان جميعا ، وتسلك في سبيل إقناع الناس بها طريقا وسطا بين المنطق والعاطفة لا تجد فيه أمتا ولا عوجا ، ولسنا نقصد بالمنطق ذلك العلم الذي تقررت أصوله وتحددت قواعده لدى اليونان ، واتسم بغير قليل من الغموض والتعقيد ، وإنما نريد به لفت العقول المستقيمة إلى ما يغص به الكون الفسيح من أعلام واضحة وأدلة مقنعة على وجود الله وقدرته ووحدانيته ، والتي لا تملك هذه العقول أمامها إلا الإذعان والتسليم ؛ قال تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأنعام : 75 ] ، وقال كذلك : وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ . وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 20 ، 21 ] ، والحق أن الآيات التي تؤدي هذا المعنى وتلفت إليه في القرآن الكريم أكثر من أن تحصى . ولا ريب أن وجود رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بين المسلمين يميط اللثام لصحابته عما التبس عليهم من مسائل العقيدة ، ويجيب عما يضطرب في نفوسهم وضمائرهم من أمور مشكلة قد اشتبهت عليهم - قد عصم المسلمين من التردي في هوة الخلاف والجدل الذي ينفي من القلوب يقين الاعتقاد ، ويبث فيها بذور الشك والارتياب . وتدلنا الآثار الصحيحة أن شيئا من التفكير في أصول الدين والنظر في بعض مسائله قد مس عقول نفر من الصحابة مسّا رفيقا ، وإن لم يمعنوا النظر أو يوغلوا في الدرس ، فقد روي أن أحد الصحابة حين أخبرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن كل إنسان قد كتب مقعده من النار أو الجنة قال : ففيم العمل إذن يا رسول الله ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » « 1 » . وروي أيضا عن أبي ذر الغفاري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم حين أخبره بأن من مات من أمته لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، سأله أبو ذر بقوله : وإن زنى وإن سرق ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : « وإن زنى وإن سرق » « 2 » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 13 / 332 ) كتاب القدر باب « وكان أمر الله قدرا مقدورا » ( 6605 ) ، ومسلم ( 4 / 2040 ) كتاب القدر كيفية خلق الآدمي ( 7 / 2647 ) عن علي بن أبي طالب . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3 / 445 ) كتاب الجنائز باب في الجنائز ( 1237 ) ، ومسلم ( 1 / 94 - 95 ) كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئا ( 153 / 94 ) .