الطبراني
7
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ ؛ أي ما أنا أوّل رسول أرسل إلى الناس ، قد بعث قبلي كثر من الرّسل . والبديع من كلّ شيء المبتدع ، وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ؛ أيتركني بمكّة أو يخرجني منها أو يخرجكم . وقيل : معناه : لا أدري أموت أم أقتل ، ولا أدري أيّها المكذّبون أترمون بالحجارة من السّماء أو يخسف بكم . وهذا إنّما هو في الدّنيا ، فأمّا في الآخرة فقد علم أنه في الجنّة ، وأنّ من كذبه في النار ، ألا تراه يقول : إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ ؛ وقد أوحي إليه ما يصير إليه الكافر والمؤمن في الآخرة . وقيل : معناه : وما أدري ما ذا أومر به في الكفّار من حرب أو سلم ، وما أدري ماذا يفعل اللّه بهم أيعاجلهم اللّه بالعقوبة أو يؤخّرها عنهم . قوله تعالى : ( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ ) أي ما أتّبع إلّا القرآن ولا أبتدع من عندي شيئا ، وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 9 ) ؛ أي أنذركم وأبيّن لكم الشرائع . قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ؛ ثم اختلفوا ، والمراد بشاهد في هذه الآية فقال من ذهب إلى أنّ هذه السّورة مكّية كلّها : أنّ المراد به يامين بن يامين ، فإنّ عبد اللّه بن سلام ممّن أسلم بالمدينة ، وهذا شاهد قدم بمكّة فآمن . وقيل : إنّ المراد بالشاهد موسى عليه السّلام كان من بني إسرائيل ، وكان شهادته للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في التوراة من تصديق القرآن ، ومثل القرآن هو التوراة « 1 » . وقال ابن عبّاس : ( هو عبد اللّه بن سلام ) ، روي : أنّه قدم من الشّام ، فأتى النّبيّ عليه السّلام ليلا وشهد أنّ نعته مكتوب في التّوراة فآمن به ، ثم قال : أخبئني في البيت ، ثمّ أحضر اليهود سلهم عنّي ، فإنّهم سيذكرونني عندك ويخبرونك بمكاني من العلم . ففعل ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واستخبر اليهود وقال لهم : [ ما تقولون في عبد اللّه ابن سلام ؟ ] فقالوا : عالمنا وابن عالمنا ، وسيّدنا وابن سيّدنا ، وبقيّة المتقدّمين منّا . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ أرأيتم إن آمن بي تؤمنوا أنتم ؟ ] فقالوا : إنّه لا يفعل ذلك .
--> ( 1 ) بمعناه ؛ قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه : ج 4 ص 335 .